الأحد، 27 يونيو 2010

وقليل من الثقيل طويل






وقليل من الثقيل طويل



قيل في قوله عز وجل : " فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ " نزلت في الثقلاء ... سئل جعفر بن محمد عن المؤمن ،هل يكون بغيضاً ؟ قال :لا يكون بغيضاً ،ولكن يكون ثقيلا.

قال سفيان بن عيينة :قلت لأيوب السّختياني :لم لم تكتب عن طاووس ؟ قال :أتيته فوجدته بين ثقلين .

كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال اللّهم اغفر لنا وله وأرحنا منه .

كان حمّاد بن سلمة إذا رأى من يستثلقه ،قال : "ربنّا اكشف عناّ العذاب إنّا مؤمنون"

قيل لأبي عمرو الشيباني :لأيّ شئ يكون الثقيل أثقل على الإنسان من الحمل الثقيل ؟ فقال : لأن الثقيل يقعد على القلب ، والقلب لا يحتمل ما يحتمل الرأس والبدن من الثقل.

كان فلاسفة الهند يقولون : النظر إلى الثقيل يورث موت الفجأة.

قال ثقيل لمريض : ما تشتهي ؟ قال : أشتهي ألا أراك .

وقال أبو حَنِيفة للأعمش وأتاه عائِداً في مرضه: لَوْلا أن أثْقُل عليك أبا محمَد لعُدْتك واللّهِ في كلّ يوم مَرّتين، فقال له الأعمش: والله يا بن أخي، أنتَ ثَقِيل عليّ وأنتَ في بَيْتك، فكيف لو جئتني في كلّ يوم مَرَّتين J.

وذكر رجلٌ ثقيلاً كان يَجْلِس إليه فقال: واللّه إِني لُأبْغِضُ شِقِّي الذي يليه إذا جَلس إلِيّ.

ونقَشَ رجل على خاتَمه: أَبْرَمْتَ فَقُم. فكان إذا جَلس إليه ثقيلٌ ناوَله إِيَّاه وقال: اقرأ ما على هذا الخاتم J.

البَرَمُ : مصدر بَرِمَ بالأَمْرِ بالكسر بَرَماً إذا سَئِمَهُ فهو بَرِمٌ ضَجِر وقد أَبْرَمَهُ فلان إبْراماً أي أَمَلَّه وأَضْجَره فَبَرِمَ وتَبَرَّم به تَبَرُّماً ويقال لا تُبْرِمْني بكَثرة فُضولك.

وقال أحد الشعراء:

إني أجالس معشراً ... نوكى أخفّهم ثقيل

قوم إذا جالستم ... صدئت بقربهم العقول

لا يفقهون مقالتي ... ويدقّ عنهم ما أقول

الأَنْوَك: الأَحْمَقُ وجمعه النَّوْكَى ، والنَّوَاكة الحماقة ورجل أَنْوَكُ ومُسْتَنْوِك أَي أَحمق وقوم نَوْكَى ونُوكٌ .

وقال آخر :

إذا جلس الثقيل إليك يوماً ... أتتك عقوبة من كل باب

فهل لك يا ثقيل إلى خصالٍ ... تنال ببعضها كرم المآب

إلى مالي فتأخذه جميعاً ... أحلّ لديك من ماء السّحاب

وتنتف لحيتي وتدقّ أنفي ... وما في فيّ من ضرس وناب

على ألاّ أراك ولا تراني ... مقاطعةً إلى يوم الحساب

لا تقبل هدية من ثقيل J: أَهْدى رجلٌ من الثُقلاء إلى رجل من الظُرفاء جَمَلاَ ، ثم نزَل عليه حتى أبْرمه ، فقال فيه:

يا مبرماً أهدى جَمَلْ ... خُذْ وانصرف ألفيْ جَمَل

واستأذن بعض الثقلاء على أبن المبارك، فلم يأذن له. فكتب إليه ذلك الثقيل:

هل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل!

فأجابه أبن مبارك:

أنت يا صاحب الكتاب ثقيل! ... وقليل من الثقيل طويل!J

وقال أخر:

يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهدِ

إني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي

وقال سَهْل بن هارون: من ثَقل عليك بنَفْسه، وغمك بسُؤاله، فأَعِرْه أُذناً صَمَّاء، وعيناً عمياء







الأحد، 13 يونيو 2010

الإقصاء والآحادية في القرآن والسنة!

بسم الله الرحمن الرحيم

الإقصاء والآحادية في القرآن والسنة!

يعيب بعض الهوائيين المتأثرين بدعاوى التسامح والتعددية وحرية الرأي والحوار المفتوح وقبول المخالف..الخ من تلك الشعارات المستوردة من الآخر (الكافر الغربي) على من يستمسك بالمنهج الصحيح ويتشبث بما كان عليه سلف الأمة من الحق ويرفض كل منهج وطريق مخالف للحق الذي كان عليه الأسلاف، ويصفونهم بوصوف متعددة منفرة لغرض صد الناس عنهم وتشويه ما هم عليه من الاستمساك بالحق؛ فمرة يقولون عنهم آحاديين، ومرة إقصائيين، ومرة يصفونهم بالجمود، ومرة يتهمونهم بالتقوقع..الخ الخ.
وهذه الأوصاف والتهم التي يكيلها متبع خطو الآخر وسننه ليست قدحا كما صورت لهم عقولهم المستنسخة بل هي مبادئ مقررة في نصوص الوحيين (الكتاب والسنة).
إذ الحق واحد لا يتعدد، وأهله جماعة واحدة ذات أصول واضحة لا خلط فيها ولا لبس. قد تختلف في مسائل الإجتهاد التي لا تثريب على المجتهد المخطئ فيها طالما أنه محافظ على معالم وحدود جماعة الحق لا يخرج عنها متعمدا قاصدا المخالفة.
وسأذكر هنا بعض النصوص التي تثبت شرعية مبدأ الآحادية والإقصاء، ولكن بفهم صحيح يهدف لسحق كل باطل، والإنضواء على الحق ونصرته على ما سواه، ولزوم أهله دون غيرهم:
أمره سبحانه بالتوحيد في كثير من آي القرآن، بل القرآن كله توحيد لله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته..والتوحيد يتركب من معنيين هما ركناه الركينين الذي لا قيام له إلا بهما (النفي والإثبات) نفي العبودية عن كل ما سوى الله وإثباتها له تعالى وتعاظم.. هذا إقصاء وآحادية شرعية بل هي أس الوجود وغاية خلقه.
وفي سورة الفاتحة يؤكد على هذا النوع من الآحادية والإقصاء ابتداء في سورة الفاتحة وقوله تعالى ((إياك نعبد)) وفي هذه الآية تقديم وتأخير يعي ذلك من له معرفة باللغة، والقاعدة البلاغية أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ فيكون المعنى (لا نعبد إلا إياك) وهذا يفيد آحادية العبادة لله تعالى وحده دون ما سواه، وإقصاء كل مألوه غيره لأنه إله باطل وظلم.
ومثلها قوله تعالى في سورة البقرة ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) البقرة [21/22] في بدء الآية أمر بعبادته سبحانه مع ذكر علة استحقاقه للعبادة، وفي آخرها أقصى جميع المعبودات والأنداد التي كان الكفار يتعبدونها.
ومثل ذلك في سورة البقرة أيضا وقوله: ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ))
ومثله في سورة النساء وقول الله تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
وتكرر هذا المعنى عدة مرات في سورة المؤمنون في قوله سبحانه حكاية عن أنبيائه: ((يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))
وغيرها الكثير والكثير من الآيات التي تؤكد على وحدانية الله وتفرده باستحقاق العبادة، مع إقصاء جميع المعبودات الباطلة التي يتخذها الجُهَّال والمعاندون أندادا له تعالى.
مثال آخر من سورة الفاتحة في قوله تعالى: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)) فجعل طريق الهدى الموصل إليه واحداً ، ووصفه بصراط المنعم عليهم؛ فهذه آحادية، ولأن القرآن يفسر بعضه بعضا أتى تعيين أهل الصراط المستقيم المنعم عليهم في آية النساء في قوله تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَـاولَئِكَ مَعَ الذَّينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَـيْهِمْ مِنَ النَّبِـيِّـينَ وَالصّدّيقِـينَ والشهَدَاءِ وَالصالِـحِينَ)). فأصحاب هذه الأوصاف الأربعة هم المنعم عليهم أهل الصراط المستقيم، وأقصى من سواهم وخص بالإقصاء المغضوب عليهم والضآلين في قوله: ((غير المغضوب عليهم ولا الضآلين))، والمغضوب عليهم هم اليهود الذين علموا ولم يعملوا بمقتضى علمهم، والضآلين هم النصارى الذين عبدوا الله على جهالة وضلالة ويدخل في هذا الإقصاء الرباني كل من كان على مسلك هذين الصنفين.
وأكد على هذا المعنى في سورة الأنعام في قوله ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) ، فأمر بلزوم صراطه المستقيم (وهذه آحادية فالحق واحد غير متعدد)،وأعقبه إقصاء للسبل الأخرى المتشعبة والمباينة لصراطه المستقيم.
وفي السنة من النصوص ما لا يتسع المجال لذكره وإنما سأكتفي بمثالين أو ثلاثة يتضح بها المقصود
قوله صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) هذا النص النبوي فيه إقصاء لكل عمل تعبدي مخالف لعمل النبي - صلى الله عليه وسلم- ويدل بالمفهوم أن العمل التعبدي المقبول هو الموافق للسنة فحسب (وهذه آحادية واضحة)
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث الافتراق:((وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي")) خص فرقة واحدة فقط بالنجاة والفلاح من بين ثلاث وسبعين فرقة (هذه آحادية)، وحكم على باقي الفرق بدخول النار (وهذا إقصاء).
وفي حديث: ((لَاتَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْخَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَعَلَى النَّاسِ))
فخص طائفة واحدة بالظهور والنصرة والثبات دونا عن باقي الأمة (وهذا إقصاء)
وحديث: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا))، أوصى بالاستمساك بسنته وسنة خلفائه ولم يترك الأمر مفتوحا لكل منهج ومذهب وطريقة..وبالغ في التأكيد على هذا النوع من الآحادية بالأمر بالعض على السنة النبوية وسنة الخلفاء المطابقة للسنة والطريقة النبوية.
والقرآن والسنة زاخرَين بأمثلة عديدة ومتنوعة كلها تصب في جانب آحادية الحق وإقصاء الباطل وسحقه فمن شاء المزيد فليراجع النصوص.
والمقصود من المقال بيان خطأ من يقول بتعدد الصواب وتفرقه بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالحق عندنا في كتاب ربنا وسنة نبينا. واحد لا يتعدد وهو معصوم بعصمة مصدره، إذ هو تنزيل من حكيم حميد. ((وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم حميد))((وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى)).


منقول من

السبت ليلة الأحد الموافق 29/6/1431 هـ

الثلاثاء، 1 يونيو 2010

بيان تهافت و كذب حكاية قصيدة ‘‘ صوت صفير البلبل ‘‘

بيان تهافت و كذب حكاية قصيدة ‘‘ صوت صفير البلبل ‘‘

شاع بين نابتة هذا العصر قصيدة متهافتة المبنى والمعنى ، منسوبة للأصمعي ، صنعت لها قصة أكثر تهافتاً ، وخلاصة تلك القصة أن أبا جعفر المنصور كان يحفظ الشعر من مرة واحدة ،وله مملوك يحفظه من مرتين ، وجارية تحفظه من ثلاث مرات ، فكان إذا جاء شاعر بقصيدة يمدحه بها ،حفظها ولو كانت ألف بيت (؟!!) ثم يقول له :إن القصيدة ليست لك ، وهاك اسمعها مني ، ثم ينشدها كاملة ،ثم يردف : وهذا المملوك يحفظها أيضاً – وقد سمعها المملوك مرتين ، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة – فينشدها ، ثم يقول الخليفة : وهذه الجارية تحفظها كذلك – وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات- فتنشدها ، فيخرج الشاعر مكذباً متهماً .
قال الراوي : وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه ، فعرف حيلة الخليفة ،فعمد إلى نظم أبيات صعبة ، ثم دخل على الخليفة وقد غيّر هيئته في صفة أعرابي غريب ملثّم لم يبِنْ منه سوى عينيه (!!) فأنشده :

صــوت صفير البلبل هيّج قلب الثمــل
الماء والزهـــر معاً مع زهر لحظ المقل
وأنت يا سيـــددلي وسيددي وموللي (!)

ومنها - وكلها عبث فارغ - :

وقــــال : لا لا لللا وقد غدا مهــرولي (!)
وفـــــتية سقونني (!) قهــيوة كالعسل
شممـــــتها في أنففي (!) أزكى من القرنفل
والــعود دن دن دنلي والطبل طب طب طبلي (!)
والكـــل كع كع كعلي (!) خلفي ومن حويللي (!)

وهلمّ شرّا ( بالشين لا بالجيم ) ، فكلها هذر سقيم ، وعبث تافه معنى ومبنى . ولم ينته العبث بالعقول ، فقد زاد الراوي أن الخليفة والمملوك والجارية لم يحفظوها ،فقال الخليفة للأصمعي : يا أخا العرب ، هات ما كتبتها فيه نعطك وزنه ذهباً ،فأخرج قطعة رخام وقال : إني لم أجد ورقاً أكتبها فيه ، فكتبتها على هذا العمود من الرخام ،فلم يسع الخليفة إلا أن أعطاه وزنه ذهباً ، فنفد ما في خزانته (!!!) .
إنّ هذه القصة السقيمة والنظم الركيك كذب في كذب ، وهي من صنيع قاصّ جاهل بالتاريخ والأدب ، لم يجد ما يملأ به فراغه سوى هذا الافتعال الواهن .
إن القصة المذكورة لم ترد في مصدر موثوق ، ولم أجدها بعد بحث طويل إلا في كتابين
 الأول :
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ، لمحمد دياب الإتليدي ( ت بعد 1100هـ ) وهو رجل مجهول لم يزد من ترجموا له على ذكر وفاته وأنه من القصّاص ، وليس له سوى هذا الكتاب .
والثاني :
مجاني الأدب من حدائق العرب ، للويس شيخو ( ت 1346هـ ) ،وهو رجل متّهم ظنين ، ويكفي أنه بنى أكثر كتبه على أساس فاسد - والتعبير لعمر فرّوخ ( ت 1408هـ ) - وكانت عنده نزعة عنصرية مذهبية ، جعلته ينقّب وينقّر ويجهد نفسه ، ليثبت أن شاعراً من الجاهليّين كان نصرانياً ( راجع : تاريخ الأدب العربي 1/23) . ويبدو أن الرجلين قد تلقفا القصة عن النواجي ( ت859هـ ) _ وقد أشار شيخو إلى كتابه ( حلبة الكميت ) على أنه مصدر القصة ، ولم أتمكّن من الاطلاع عليه ، على أن النواجي أديب جمّاع ، لا يبالي أصحّ الخبر أم لم يصحّ ، وإنما مراده الطرفة ،فهو يسير على منهج أغلب الإخباريين من الأدباء، ولذا زخرت مدوّنات الأدب بكل ما هبّ ودبّ ، بل إن بعضها لم يخلُ من طوامّ وكفريّات .
وتعليقاً على كون الإتليديّ قصّاصاً ، أشير إلى أن للقصّاص في الكذب والوضع والتشويه تاريخاً طويلاً ، جعل جماعة من الأئمة ينهون عن حضور مجالسهم ،وأُلّفت في التحذير منهم عدة مصنّفات

( راجع : تاريخ القصّاص ، للدكتور محمد بن لطفي الصباغ ) .

ثمّ اعلم أيها القارئ الحصيف أن التاريخ يقول :
إن صلة الأصمعي كانت بهارون الرشيد لا بأبي جعفر المنصور الذي توفي قبل أن ينبغ الأصمعي ،ويُتّخذ نديماً وجليساً
ثم إن المنصور كان يلقّب بالدوانيقي ، لشدة حرصه على أموال الدولة ، وهذا مخالف لما جاء في القصة ،ثم إن كان المنصور على هذا القدر العجيب من العبقريّة في الحفظ فكيف أهمل المؤرخون والمترجمون الإشارة إليها ؟
أضف إلى ذلك أن هذا النظم الركيك أبعد ما يكون عن الأصمعي وجلالة قدره ، وقد نسب له شيء كثير ، لكثرة رواياته ،وقد يحتاج بعض ما نُسب إليه إلى تأنٍّ في الكشف والتمحيص قبل أن يُقضى بردّه ، غير أن هذه القصة بخاصة تحمل بنفسها تُهَم وضعها ، وكذلك النظم ، وليس هذا بخافٍ عن اللبيب بل عمّن يملك أدنى مقوّمات التفكير الحرّ .
ولم أعرض لها إلاّ لأني رأيت جمهرة من شُداة الأدب يحتفون بالنظم الوارد فيها ويتماهرون في حفظه ، وهو مفسدة للذوق ، مسلبة للفصاحة ، مأذاة للأسماع .
وبعد : فإنه يصدق على هذه القصّة قول عمر فرّوخ رحمه الله :
( إن مثل هذا الهذر السقيم لا يجوز أن يُروى ، ومن العقوق للأدب وللعلم وللفضيلة أن تؤلف الكتب لتذكر أمثال هذا النظم) .



نشر في المجلة العربية - عدد ( 256 ) جمادى الآخرة 1419 ص 94

كتبها الأستاذ :عبدالله بن سليم الرشيد في زاوية تحقيق مرويات أدبية .

الجمعة، 28 مايو 2010

(الموحِّدون من النصارى) أصولهم، واقعهم، معاناتهم

(الموحِّدون من النصارى) أصولهم، واقعهم، معاناتهم

للشيخ العلاَّمة د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي.. حفظه الله تعالى وجمع له بين الصِّحَّة والأجر

في ظل الصراع بين الإسلام والغرب الذي تتضح ملامحه يوماً بعد يوم، وتجتهد قوى مؤثرة في الغرب في إيقاده، يبدو جهل الغرب بالإسلام من أهم أسباب إخفاقه في التعامل مع قضايا الصراع؛ حيث يتعامل وفقاً لصورة نمطية مقتضبة. ولكيلا نقع في الخطأ نفسه، ينبغي للأمة الإسلامية أن تعرف خصمها معرفة مفصلة، بدلاً من النظر إليه باعتباره كتلة واحدة ذات توجه واحد، ومن أهم أسباب المعرفة المطلوبة: ربط اتجاهات الصراع بأصولها العقدية، وقياس مدى تأثير تلك الأصول في توجيه الصراع، لا سيما وقد بدأ الغرب يتمايز، وقد تزيده المرحلة القادمة تمايزاً.
وهذه المقالة تلقي الضوء على طائفة نصرانية تكاد تكون مجهولة لدى المسلمين، مع أهميتها عقدياً وعراقتها تاريخياً؛ فقد كان منها خمسة من رؤساء الولايات المتحدة، فضلاً عن حضورها الثقافي والسياسي في الساحة الأمريكية؛ فهم يمثلون دينياً النقيض للحركة الأصولية المتطرفة، وهم في الجملة محسوبون كجزء من التيار الليبرالي الذي لا يرى صراع الحضارات حتماً، ويرفض المشروع الصليبي المسمى «الحرب على الإرهاب».

المقصود بالموحّدين من النصارى:
لا توحيد ـ على الحقيقة ـ إلا ما أرسل الله به رسله وأنزله في كتبه، وهو الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ واحد، وعبادته وحده لا شريك له؛ فهذا هو التوحيد المطلق. أما إذا قُيِّد بطائفة أو أحد من الناس فهو بحسب من يضاف إليه. ونحن هنا حين نتحدث عن الموحدين من النصارى فإننا نعني بها الفرقة النصرانية التي تعتقد أن الله واحد، وأن المسيح رسول الله، وترفض التثليث، وتتمثل في كنيسة (جماعة دينية) تؤمن بالوحي والعبادة، وبذلك يتميزون عن عامة الكنائس النصرانية التي تؤمن بعقيدة التثليث المنصوص عليها في قانون الإيمان الذي أقرّه مجمع «نيقية»(1)، كما يتميزون في العصر الحديث عن منكري التثليث على أساس إنكار الخالق ـ تعالى ـ مطلقاً، أو على أساس إنكار الوحي مع الإقرار بالخالق؛ لأن هؤلاء على الحقيقة ليسوا من النصرانية في شيء، وإن كان هذا التمييز غير جلي في تاريخ الفكر الغربي الحديث كما سنرى.

أصولهم وأسماؤهم:
تعود جذور عقيدة الموحدين النصارى إلى الدين نفسه الذي علَّمه المسيح عليه السلام، وهو الإسلام في العقيدة، واتباع التوراة في الشريعة؛ فهم في الأصل الطائفة التي آمنت من بني إسرائيل كما قال ـ تعالى ـ: {فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ} [الصف: 14] وتمسكوا بالإيمان الذي أعلنه الحواريون كما في قوله ـ تعالى ـ: {نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] وظل بعضهم على هذا الإيمان إلى البعثة المحمدية، وخلط آخرون ذلك بأنواع من البدع من قبل البعثة وبعدها لا مجال لتقصِّيها الآن.
ومن أسمائهم «الناصريون»: إما نسبة إلى النُّصرة وهو الأقرب؛ كما في الآية، وإما إلى (الناصرة) البلدة التي ينسبون إليها المسيح عليه السلام، فيقولون: (يسوع الناصري)، وفي انتسابهم هذا إعلان لبراءتهم من البدع التي أحدثها بولس وأتباعه.
أما الاسم الذي ظلوا يشتهرون به حتى مطلع العصر الحديث فهو «الآريوسية» ـ أو «الأريانية» ـ نسبة إلى آريوس، أو «السوسنيانية» نسبة إلى «سوسنيان» الذي سنأتي على سيرته.
وقد كان للاضطهاد الذي نالهم من المخالفين أثره في تشويه تاريخهم وطمس كثير من معالمه. فوقع خلط كبير بينهم وبين غيرهم من الفرق المنشقة عن الكنيسة الملكية الرومانية التي تسمي المنشقين جميعاً «هراطقة».
ومن ذلك أنك تجد من لا يفرق بينهم وبين «النسطورية» أو «اليعقوبية» وربما كان سبب ذلك أن الكنيسة الرومانية الملكية الكاثوليكية كانت تنبزهم بأنهم نسطورية أو يعقوبية، وفي الوقت نفسه تنبز النسطورية واليعقوبية بأنهم «موحدون» لتخرجهم من النصرانية وتكفِّرهم عند العامة. وشبهتها في هذا أن النَّسطورية مع اعتقادهم التثليث ينكرون أن يقال عن مريم: والدة الإله، ويقولون: إنما ولدت الناسوت وليس اللاهوت؛ فكفّرتهم الكنيسة الملكية بذلك، واشتبه الأمر على كثير من الباحثين ـ وبعضهم من الموحدين الأوروبيين أنفسهم ـ فظنوا أن النَّسطورية في الشرق يعتقدون أن عيسى ـ عليه السلام ـ مجرد بشر؛ فهم بذلك موحِّدون.
أما اليعقوبية فهم مع اعتقادهم التثليث ينكرون أن يكون للمسيح طبيعتان، ويجعلونها طبيعة واحدة «إلهية» فكفَّرتهم الكنيسة الملكية بإنكار التثليث في نظرها.
ومن هنا أخطأ كثير من الباحثين أيضاً فظنوا ما جعلته الكنيسة توحيداً على سبيل التهمة هو التوحيد الذي عليه الموحدون.
أما نسبة الموحدين إلى «أريوس الإسكندري» و «بولس الشمشياطي»، فهي أقرب إلى الصواب، من جهة أن المنسوب إليهم في كتب النصارى هو إنكار لاهوت المسيح ـ لا سيما الأول منهما ـ على أن وصف الناصريين يظل أصدق الأوصاف وأبعدها عما أحاط بالأوصاف الأخرى من اضطراب.

اضطهادهم:
تعرض الموحدون لاضطهاد هائل من الكنائس الرسمية، ولعنتهم المجامع النصرانية المخالفة، ووصمتهم بالكفر والهرطقة، ومزقتهم كل ممزق. ومن هنا ـ مع ما أصاب بعضهم من الابتداع ـ صدق على المتمسكين منهم أنهم «بقايا» كما جاء في الحديث: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»(1) وفي قوله ـ تعالى ـ: {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [آل عمران: 113] فإن من كانوا على بقية من الحق عند بعثته -صلى الله عليه وسلم- أعم من أن يكونوا من أتباع المسـيح ـ عليه السلام ـ فحسب؛ وذلك أن كثيراً من اليهود خارج فلسطين لم تبلغهم دعوة المسيح عليه السلام، أو لم يتبينوا حقيقة رسالته، وظلوا على الحق الذي في التوراة حتى أشرق نور الإسلام(2).

فلما ظهر نور الإسلام وأضاء ما بين الخافقين دخل أكثر الموحدين فيه وبقيت منهم بقية على حالها وكانت على صنفين:

الأول: من بلغته دعوة محمد -صلى الله عليه وسلم- فلم يؤمن به، وعن هؤلاء يقول العالم المهتدي الحسن بن أيوب من علماء القرن الرابع الهجري: «ولما نظرت في مقالات النصارى وجدت صنفاً منهم يعرفون بالأريوسية يجردون توحيد الله ويعترفون بعبودية المسيح ـ عليه السلام ـ ولا يقولون فيه شيئاً مما يقوله النصارى من ربوبية ولا بُنُوة خاصة ولا غيرهما، وهم متمسكون بإنجيل المسيح، مقرون بما جاء به تلامذته والحاملون عنه. فكانت هذه الطبقة قريبة من الحق، مخالفة لبعضه في جحود نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودفع ما جاء من الكتاب والسنة»(3).

والآخر: من لم تبلغه الدعوة لبعد الشُّقَّة، أو بلغته على الصورة البالغة التشويه التي نشرتها الكنيسة الحاقدة على الإسلام ولا سيما كنيسة روما.
والثابت تاريخياً أن التوحيد كان عقيدة منتشرة في أوروبا في القرون الميلادية الأولى، لكن اختلفت أحوال الشعوب الموحِّدة، فبعضها مثل «الأيرلنديين» استطاعت الكنيسة البابوية استئصاله قبل الإسلام، وبعضها مثل «الأندلسيين» ظهر الإسلام والحرب لا تزال قائمة بينهم وبين روما.
ومن الظواهر البارزة في التاريخ الديني الأوروبي أن الشعوب البعيدة عن تأثير السيطرة الرومانية كانت أقرب إلى الفطرة، ومن ثَمَّ أكثر قبولاً للتوحيد من غيرها، وربما كان الاضطهاد الذي مارسه الرومان على الشعوب الخاضعة لهم أعظم أسباب قلة الموحدين فيها.
ففي بريطانيا كان الموحدون أول من أدخل النصرانية إلى الجزر البريطانية، وكان لهم فيها تاريخ طويل حتى انتقال مركزهم إلى أمريكا كما سيأتي. وفي إيرلندا كان الناس يدينون بالتوحيد ويعملون بشرائع التوراة، بل يسمون أنفسهم «ناصريين» حتى غزاهم الرومان في القرن الخامس الميلادي، واستأصلوا عقائدهم، وأحرقوا أناجيلهم المعروفة بالأناجيل «السلتية»(1)، التي كانت خالية من عقيدة التثليث. وفي الأندلس ظلت الحروب بين الرومان وبين الموحدين حتى ظهور الإسلام، ويعزو المؤرخون من شرقيين وغربيين سرعة انتشار الإسلام هناك إلى أنهم كانوا في الأصل على التوحيد.
وإجمالاً يمكن القول: إن تاريخ شعوب أوروبا الغربية وشمال أفريقية قبل الإسلام تاريخ للصراع بين الكنيسة الرومانية وبين الآريوسية ويشمل ذلك القوط والفاندال والسلت والبربر وغيرهم(2).
يقول سلفستر شولر: (من المعلوم أن جميع البرابرة الذين استقروا على ضفاف الدانوب وعلى ضفاف الإمبراطورية (الرومانية) قد اعتنقوا أمة بعد أمة المسيحية الآريوسية... وهكذا أخذت الآريوسية تجتاح البلاد التي يقيم فيها البرغوند والسويف والفندال واللومبارد، وغدت ديانة هذه الشعوب الوطنية)(3)، هذا عدا انتشار الموحدين في مصر وبلاد الشام والعراق وفارس والحبشة ومليبار.
ثم كان أبرز الأحداث في تاريخ الموحدين هو قيام مملكة لهم في رومانيا في القرن السادس عشر؛ حيث كان الملك «جون سيقموند» المتوفى سنة 1571م موحداً، ولا يزال فيها أكبر تجمّع للموحِّدين في العالم بعد الولايات المتحدة؛ حيث يبلغ عددهم ثمانين ألفاً. وفي بولندا تكاثر الموحِّدون حتى أرغمهم البرلمان سنة 1658م على اعتناق الكاثوليكية(4)، إلا من فرّ منهم إلى هولندا وإنجلترا، وهناك التقوا مع الفارين من الأندلس بعد سقوطها في يد الملكين الكاثوليكيين «فردِنَنْد» و «إيزابيلا».
وفي فرنسا ظهر الموحدون سنة 1550م باسم «الهجونوت» إلا أن الكاثوليك شنوا عليهم حرباً ضروساً في أيام الملكة «كاترين» وابنها «هنري» حتى استأصلوهم سنة 1572م إلا من استطاع الفرار إلى هولندا ثم إلى أمريكا(5).

روافد وأشباه:
فيما بين عقيدة الموحدين ـ هؤلاء ـ وعقيدة الطائفة الملكية(6)، وهي الطائفة النصرانية الكبرى المتحكمة في الإمبراطورية الرومانية، يوجد عقائد كثيرة تأثرت بالمد الإسلامي العظيم؛ إذ كان استعلاء الإسلام ووضوح حجته قد بهر العالم أجمع، فحرصت كل ملة على أن تفسر عقيدتها وإيمانها بما يشبهه أو يقاربه، حتى إن الطائفة الملكية نفسها أصبحت تدعي التوحيد على تفسير خاص لها(7).
وقد بلغ التأثير ذروته في الحركتين المشهورتين في التاريخ الأوروبي، وهما: حركة تحريم الصور والتماثيل، والحركة الإصلاحية.
وقد وفّر كلٌّ منهما نوعاً من الغطاء لعقيدة الموحدين التي كانت تظهر وتختفي بمقدار الحرية المتاحة لها.

1- حركة تحطيم الصور والتماثيل:
ظهرت هذه الحركة بظهور الإسلام الذي كان حكمه حاسماً جداً في هذا الشأن؛ فعندما عاد المهاجرون إلى الحبشة وذكروا للرسول -صلى الله عليه وسلم- ما رأوا في الكنائس الحبشية ـ وهي يعقوبية المذهب ـ قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»(8).
وهكذا طمس المسلمون ـ وحطموا ـ الصور والتّماثيل والصّلبان ليس فقط في الكنائس التي أسلم أهلها أو فتحوها عنوة، بل في كل مظاهر الحياة، وبذلك استيقظت الحركة الكتابية التي كانت تفعل ذلك قبل الإسلام عملاً بما جاء في الوصية الثانية من الوصايا العشر في التوراة(9).
وقد بلغت هذه الحركة أوجَها في عهد الإمبراطور البيزنطي (قسطنطين الخامس) الذي عقد مجمعاً خاصاً لذلك في القسطنطينية سنة 754م. ونلاحظ أن الإمبراطورية الشرقية البيزنطية هي الأكثر تأثراً؛ وذلك لقربها من دار الإسلام.

2 - الحركة الإصلاحية:
تأخر ظهور الحركة الإصلاحية في الإمبراطورية الغربية، بسبب بعدها الجغرافي عن دار الإسلام، والحُجُب الكثيفة من الافتراء والتشويه التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا الغارقة حينئذ في الجهل والهمجية، ولكن الاتصال بالمسلمين الذي حدث من طرق شتى - منها مراكز الحضارة الإسلامية في جنوب أوروبا، والحروب الصليبية، والتعامل التجاري، وغيرها ـ أدى إلى ظهور الحركة الإصلاحية البروتستانتية، التي كانت فاتحة التاريخ الأوروبي الحديث، والتي أحدثت زلزالاً هائلاً في الكنيسة الغربية، بل في الحياة الأوروبية عامة. إلا أن تأثيرها الإصلاحي لم يمسّ الجوهر (عقيدة التثليث) بل اقتصر أساساً على الحد من طغيان البابوات، وفساد رجال الدين عامة، وتحطيم الصور والتماثيل(1)، وتعديل بعض الشعائر والطقوس.
ويتمثل تأثيرها التاريخي الهائل في تأسيس كنائس جديدة منسوبة لزعماء الحركة، مثل «لوثر» «كالفن» «زونجلي» وكانت الاستجابة الواسعة لها تمثيلاً عميقاً لما عانته النفسية الأوروبية من كبت وضجر تحت سيطرة الاضطهاد البابوي، ولكنها ما لبثت أن ارتكبت كل الخطايا التي ارتكبتها كنيسة روما، ولا سيما اضطهاد المخالفين، وربما زادت عليها أحياناً، وهو الأمر الذي أدخل أوروبا في دوّامة من العنف لم يشهد لها التاريخ العالمي مثيلاً. وحدث من الفظائع والمنكرات ـ من الطرفين ـ ما اقشعرت لها أبدان المؤرخين، ووصفوها بأنها وحشية تترفع عنها الوحوش. وقد نالت هذه الوحشيةُ طائفةَ الموحدين التي انتهزت ـ بادئ الأمر ـ فرصة الصراع وانكسار باب السجن الكاثوليكي لتخرج في جملة من خرج من المأسورين، ولكن الاضطهاد الذي حلّ بها من قِبَل البروتستانت كان أفظع مما تصورت، بل كان مثار دهشة المؤرخين الغربيين ولا يزال.

الموحدون والحركة الإصلاحية النصرانية:
كان أعداء الموحدين ـ من الكاثوليك والبروتستانت سواء ـ ينبزونهم بلقب «سوسنيانية» نسبة إلى رجل دين إيطالي يدعى «سوسنيان» أو «سوسنيوس» (1539ـ 1604م)(2)، ظهرت آراؤه في عنفوان الثورة البروتستانتية على الكنيسة الكاثوليكية بقيادة زعيميها الشهيرين «مارتن لوثر» و«كالفن».
وكان «كالفن» ينافس «لوثر» في تزعّم الإصلاح، إلا أنه كان أكثر منه اعتماداً على التوراة ـ لا سيما في انتهاج القوة ـ وقد قرر كثير من المؤرخين أنه يهودي الأصل، ولعل هذا سبب خطأ من يظن أنه كان موحِّداً(3)، وقد عاصر من الموحدين غير «سوسنيان» الذي تنتسب إليه الطائفة «ميخائيل سرفت» صاحب الآراء المتناقضة والمحسوب على الموحدين، وإن كان بعض مؤرخي الفكر الغربي يجعلونه المؤسس.
اتخذ كالفن «جنيف» مقراً لدعوته، وحكمها حكماً لاهوتياً شديد الصرامة، ويقول «ديورانت»: (إن «كالفن» كان يرى في مذهب الموحدين بداية النهاية للمسيحية، وخشي هذه الهرطقة أكثر من أي شيء آخر؛ لأنه وجدها متفشية في مدينة «جنيف» ذاتها، وفوق كل شيء بين اللاجئين البروتستانت الفارين من إيطاليا، وهذه إشارة إلى سوسنيان وأمثاله). وقد بلغت فظاظة كالفن وبشاعة أحكامه حداً جعل أتباعه وأعداءه يشتركون في التعنيف عليه، وكان الموحدون أكثر المتضررين بذلك، ولا تزال مأساة «سرفت» تعد عند مؤرخي الفكر وصمة عار في جبين الإصلاحيين عامة و (كالفن) خاصة؛ فقد حكم (كالفن) على (سرفت) بأن يحرق حياً على نار بطيئة عقوبة له على إنكار التثليث ســنة 1553م. وكان هـذا ـ إضافــة إلى نبـز (لــوثـر) لـ (سرفت) بأنه «مراكشي» ـ دليل على أن الضغينة عليه كانت بسبب تأثره بالإسلام أكثر من كونه كافراً بالتثليث؛ إذ يقول ديورانت(4)، بعد أن نقل فقرات من كلامه: (إن مفهومه عن المسيح قريب جداً من مفهوم محمد) فنظراً لأصله الأسباني وقراءته للقرآن، واطلاعه على العقائد الإسلامية كان يستحق عندهم أن ينزل عليه أشد العقاب، فيكون عبرة لغيره من الخارجين على عقيدة (لوثر) و (كالفن).
كان (سرفت) في أول الأمر مندفعاً جداً في الثورة على النصرانية، فألّف كتابه «خطأ التثليث» سنة 1531م وفيه شبّه الرب الذي يعبده النصارى بالصنم الخرافي الوثني «سربيروس» الذي كان أتباعه يعتقدون أن له ثلاثة رؤوس(5)، ولكنه آخر الأمر عاد ليكتب كتاباً عنوانه «إعادة المسيحية».
وسواء كان ذلك تراجعاً ظاهرياً أو اضطراباً في المعتقد، فالنتيجة أن ذلك لم ينقذه من العقوبة، وكان إحراقه نذيراً صارخاً لأصحاب مذهب التوحيد بالفرار إلى بلاد غير خاضعة للإصلاحيين، فاتجهوا إلى بولندا وهولندا ورومانيا ـ إقليم ترانسلفانيا ـ حيث كان الملك الموحِّد «جون سيقموند» يوفر حماية للفارين منهم في مملكته.
إن مصادر التوحيد لهذه المملكة مجهولة، والظاهر أنها من بقايا الأريوسيين وأن حياتهم في غابة إقليم «ترانسلفانيا» النائي وَقَتْهم شر التسلط الكاثوليكي، ومن المحتمل جداً وجود علاقة لهم بالمسلمين؛ فقد شهدت روسيا وأوروبا الشرقية مرحلة من التواصل مع المسلمين تميز في عهد الخليفة المقتدر العباسي وبعده(6).
على أن العقيدة التوحيدية ظهرت في أوروبا الغربية، ولا سيما في هولندا وبريطانيا، ومنها إلى أمريكا ضمن الخليط الناتج من الأفكار التي شهدها عصر التنوير الأوروبي الذي تُعَدُّ حركة التوحيديين أحد روافده، كما تعد أحد المستفيدين من ثورته.

عقائد عصر التنوير الأوروبي:
يسمى عصر الثورة العامة على المعتقدات الدينية النصرانية: (عصر التنوير)، وهو يشمل المرحلة ما بين اشتداد الحروب الدينية في أوروبا، وبين ظهور الثورتين الأمريكية والفرنسية، أي أن القرن الثامن عشر الميلادي ـ على سبيل التقريب ـ هو عصر التنوير الذي أحدث في الفكر العالمي عامة والغربي خاصة زلزالاً لا تزال توابعه حتى الآن؛ فقد خلَّف آثاراً عظيمة في السياسة والاجتماع والأدب والفن. بيد أن أعظم آثاره تجلى في الصراع العنيف بين الكنيسة والعقل.
ولا ريب أن عصر التنوير يعد امتداداً طبيعياً لعصر النهضة الأوروبية الذي يدين بالفضل للإسلام؛ فقد كان تأثير الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية واضحاً في إيطاليا منطلق النهضة الأوروبية الحديثة، بل هو أكبر أسباب النهضة؛ فقد كان الإمبراطور «فردريك الثاني» في القرن الثالث عشر عاشقاً للثقافة الإسلامية.
ولما رأت الكنيسة حرصه على تعلم العربية، وكثرة المسلمين في بلاطه، وتأثره الواضح بهم، أصدرت بحقه حرماناً وسمته «الزنديق الأعظم»، ولكن المؤرخين في الفكر يسمونه «أول المحدثين» تقديراً لريادته في الحضارة والإنسانيات(1).
وفي الأندلس كان التواصل الثقافي مستمراً خاصة مع أوروبا الغربية، لا سيما الجزر البريطانية التي كادت أن تسلم ـ حيث يتحدث التاريخ عن إسلام أحد ملوكها، وكذلك إسلام ملك النرويج، وهما حدثان جديران بالبحث والاهتمام ـ فلما استطاعت الكاثوليكية استرداد البرتغال وأسبانيا من المسلمين، وأقامت محاكم التفتيش، لجأ كثير من أصحاب الفكر الحرِّ إلى أوروبا الغربية، لا سيما هولندا التي ظهرت فيها العقيدة التوحيدية بوضوح إلى جانب العقائد الأخرى المتحررة من ربقة الكنيسة الرومانية.
وفي المرحلة التالية لم يقف الصراع الكبير الذي أحدثته الحركة الإصلاحية عند حد التمرد على البابا، بل انقلب تمرداً علـى كل العقائـد الكنسيّة باســم «العقـل» و «حـرية التفكير» و «الدين المنطقي» و «الدين الطبيعي» ونحو ذلك من الشعارات التي كثرت في ذلك العصر واختلفت، وكان الجامع بينها رفض العقيدة النصرانية.
ومن هنا اختلط الأمر على الباحثين، وصعب التفريق بين منكري الدين كلِّه ـ أي من ينكر وجود الله تعالى ـ وبين من ينكر عقائد الكنائس النصرانية ـ لا سيما التثليث ـ لكنه يؤمن بالوحي والكتب المقدسة، وبين من يقف بين ذلك فينكر الكتب والقدر، ويعترف بنوع من الوحي والتعبد. وفي غمرة هذا الاختلاط نجد تفسيراً للتنازع الشديد في عقيدة بعض الأعلام المشهورين بالعلم والفكر والفلسفة مثل «جون لوك» «إسحاق نيوتن» «شارل ديكنز»، «روسو»، «داروين» فالكنيسة الموحدة تدعي أنهم من أتباعها، وغيرهم لا يسلم لها بذلك، بل يجعلونهم «ربوبيين»(2)، أو «لا أدريين» أو«طبيعيين»...إلخ.
وكان لبريطانيا نصيب الأسد في ظهور هذه العقائد، ويعزى ذلك إلى الحرية المحدودة فيها وإلى طريقة التفكير البريطاني؛ حيث يمثل الإنجليز غالباً ما سماه المفكر العالمي (علي عزت بيجوفتش): «الطريق الثالث خارج الإسلام»، فقد رفضوا العقيدة الكاثوليكية، لكنهم لم يتطرفوا فيذهبوا مذهب الملاحدة العقلانيين في فرنسا، ولم يندفعوا مع اللوثرية اندفاع الألمان، بل سلكوا طريقاً وسطاً ـ تماماً كما فعلت بريطانيا في العصر الحاضر، حيث لم تكن شيوعية مثل روسيا، ولكنها أيضاً ليست في الرأسمالية مثل أمريكا.
هناك ـ في بريطانيا ـ فشت عقيدة التوحيد هذه، وكادت تسيطر على مفكري عصر التنوير الإنجليزي، لولا أن منافساً ظهر أيضاً بقوة وهو دين الربوبيين ـ المؤمنين بالله مع إنكار الوحي ـ وكثيراً ما يقع الخلط بين هاتين العقيدتين، ويدعي أتباعهما أن رموز الأخرى هم من رموزها ـ كما سبق ـ. والواقع أن بريطانيا في ذلك العصر كانت تموج بالشك والتمرد بل التقلب والاضطراب لدى المفكر الواحد.
وكان أبرز الأحداث هو إعلان الموحدين لعقيدتهم في التوحيد صراحة في بيان وجهوه إلى طلاب جامعتي «أوكسفورد» و «كامبردج» سنة 1790م(3).
على أن أهمية الكنيسة في بريطانيا تتجلى في كونها المصدر الأكبر للحركة في أمريكا، وهنا لا بد من بيان الفرق بين أوروبا وأمريكا في هذا الشأن؛ فأوربا كانت هائجة مضطربة تنتقل من فعل إلى ردة فعل أعنف، وهذا يصدق على كثير من مفكريها مع شيء من الاعتدال يتسم به شمالها. أما أمريكا فجذورها الدينية واضحة؛ بحيث يمكن القول إن ملاحدة أمريكا أقرب إلى الانتماء الديني، وأن متديني أوروبا أقرب إلى الملاحدة.

وحين نصل إلى أمريكا نجد أنفسنا أمام تاريخٍ مستفيض، ووجود متميز للحركة الموحّديّة.

الموحدون في أمريكا:
تقول المصادر الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية إنها ثاني الدول الغربية تديناً بعد إيرلندا، ويقول المفكر إدوارد سعيد: (إن أمريكا هي أكثر دول العالم انشغالاً بالدين). والواقع أن بين الدين الذي أسست عليه هذه الدولة والدين الذي تدين به اليوم بَوْناً شاسعاً، وهذا يصدق على حركة الموحٍّدين الأولى وواقع الموحدين اليوم.
فالمؤسسون الأوائل لأمريكا كان منهم جمع غفير من المهاجرين بدينهم المتسمين باسم (الحجاج)، وقد تحملوا مشقة الرحلة الطويلة إلى بلاد نائية فراراً من الحروب الدينية الضروس التي اجتاحت أوروبا لا سيما منذ ظهور الحركة الإصلاحية، وكان من بين المؤسسين مفكرون وساسة يؤمنون بالتسامح، ويمقتون الاضطهاد بنفس المقدار الذي كان عليه مفكرو التنوير في أوروبا أو أكثر، وهكذا أسسوا الدولة الناشئة على مبدأ فصل الدين عن الدولة، لكن بسبب وبشكل يختلفان عما هو الحال عليه في أوروبا؛ ففي فرنسا مثلاً كانت الثورة الفرنسية معادية للدين، وكان فصل الكنيسة عن الدولة إقصاء للمتدينين، وسلباً لمكانة الكنيسة. أما في أمريكا فقد جعلوه صيانة للدين وحفظاً لمكانة الكنائس، وأتاحوا للمتدينين الحرية في الانتماء إلى الكنيسة التي يريدون، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجاوزه إلى الاتفاق على نفي أن تكون الدولة نصرانية رسمياً(1)؛ وذلك أن المؤسسين الكبار كانوا يؤمنون بأفكار عصر التنوير وفلسفاته التي ذكرنا مع تفاوت بينهم في الالتزام الديني الشخصي بالذهاب إلى الكنائس أو الانتساب إليها. إلا أن كنيسة واحدة فقط كان الانتماء إليها ينسجم مع الأفكار التنويرية وهي الكنيسة الموحِّدة؛ بحيث يمكن القول إنه لو كان للحكومة الناشئة أن تختار ديناً رسمياً للدولة لما كان إلا دين الموحِّدين. وهذا ظاهر من استقراء عقائد الرؤساء الأوائل وعقائد المفكرين الأوائل مثل: بنيامين فرانكلين، ورالف أمرسن.
ففي سنة 1785م تحولت كنيسة الملك في بوسطن إلى كنيسة موحِّدة؛ حيث قرر أعضاؤها حذف الألفاظ الدالة على التثليث في الصلوات، ثم أسست كنيسة موحِّدية في «فيلادلفيا» سنة 1794م، وبعد ذلك حدث تحول آخر مهم، وهو انتقال كنيسة الحجاج التي أسست سنة 1620م إلى كنيسة موحِّدية سنة 1802م.
وتوّجَ هذه الأحداث حدثٌ من أعظم الأحداث في التاريخ الديني النصراني، وهو قيام الرئيس الأمريكي الثالث «توماس جيفرسن» بتأليف إنجيل جديد هذَّب فيه الأناجيل المعروفةَ في نسخةٍ منقّحةٍ محذوف منها كل ما يدل على التثليث، كما حذف ما يدل على المعجزات ـ وهنا يظهر عليه أثر عقلانية عصر التنوير ـ إلا أن «جيفرسن» لم يكن منتمياً إلى كنيسة، ومن ثمَّ يحسبه الباحثون ـ غالباً ـ بين الفلاسفة لا بين المتدينين، ونحن سوف نتسامح في هذا الشرط عند ذكر رؤساء أمريكا من الموحدين عما قليل.
في سنة 1825م أسست المنظمة الموحدية في أمريكا، ثم أسس المجمع الوطني للموحدين في سنة 1865م، ولم تزل الحركة في صعود مستمر ـ لا سيما بين الطبقة المثقفة ـ حتى بلغ الذروة في تولي أحد الموحدين وهو (وليام تافت) رئاسة الولايات المتحدة، وأعقب ذلك تولِّيه رئاسة الكنيسة الموحدية سنة 1917م.
وآخر المشهورين من السياسيين الموحدين هو «ادلاي ستيفنس» المرشح الرياسي الذي كان وزيراً في حكومة جون كندي ـ الرئيس الكاثوليكي الوحيد للولايات المتحدة ـ وقد توفي سنة 1965م ولم ينجح في أن يصبح رئيساً.
إنه باسترجاع مرحلة تأسيس أمريكا يجدر القول بأن المسلمين بسبب تخلفهم الديني والحضاري حينئذ، قد فوَّتوا فرصة عظيمة حيث كانت الدولة الأمريكية الناشئة مهيأة لاعتناق التوحيد الحقيقي، والدخول في دين الإسلام، وإن شئت فقل: إنه كان يمكن أن يكون للمسلمين مكانة كبرى في ذلك المجتمع الجديد، لو أن الأمة والدعوة في ذلك الحين كانت في حال أفضل.

واقع الحركة الموحدية في أمريكا اليوم:
يمكن إيجاز الواقع في العقود الأخيرة بأنه انتشار للعقيدة وانتكاسة للكنيسة. أما العقيدة ذاتها (أي إنكار التثليث أو إنكار ألوهية المسيح) فقد تنامت حتى يمكن القول إنها عقيدة الأغلبية في أمريكا هذه الأيام، وفقاً لاستبانات كثيرة لا مجال للتفصيل فيها. وأما الكنيسة فقد تقلصت، بل انتكست ـ مع أن تقديراتها تقول إن لها زهاء ألف معبد ينتمي إليها حوالي 160ألف عضو ـ وانحرف كثير من أتباعها انحرافاً خطيراً؛ وذلك أن الغليان الفكري والاجتماعي في أمريكا لدى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، أدى إلى ظهور موجة من التحلل والتفسخ والانقسامات الدينية الحادة والحركات المتطرفة، وشمل ذلك الكنيسة الموحِّدية التي تحولت تحولاً كبيراً إلى الاتجاه الليبرالي، واتخذت خطوة بعيدة بتوحدها مع «كنيسة الخلاص للجميع» «اليونيفرسالية»، وهي كنيسة تدعي التوحيد أسست سنة 1793م، والواقع أنها لا تؤمن بالتثليث، لكنها تؤمن بعقيدة الخلاص للجميع.
ومع تنامي موجة التحرر والانحلال، تحوّلت هذه العقيدة إلى إقرار عام لجميع الأديان والأفكار، وكان الاندماج بين الكنيستين سنة 1961م، ومن ثم بدأت مسيرة الذوبان مع كنائس كثيرة في بوتقة الليبرالية الحديثة التي تشمل تنوعاً مدهشاً من العقائد الشرقية والغربية(2) تعطي برهاناً ساطعاً على حاجة هذه الأمة إلى الدين الصحيح، وتلقي على كاهل المسلمين واجباً عظيماً في إنقاذ هؤلاء الحيارى في مجتمع يظل ـ بغض النظر عن مواقف حكومته ـ من أكثر مجتمعات العالم تقبلاً للإسلام وإقبالاً على التعرف عليه، ومما يزيد ذلك توكيداً أن الاتجاه المقابل للاتجاه الليبرالي ـ ونعني به الاتجاه الأصولي الصهيوني ـ قد أخذ في التقهقر، وقد يسقط سقوطاً سريعاً في حالة إخفاق (جورج دبليو بوش) في الفوز بالرئاسة ثانية، وهو احتمال وارد بعد تورطه في الحرب الصليبية المسماة «الحرب على الإرهاب» وما تضمنته من فضائح أخلاقية وإخفاقات سياسية وعسكرية أسهمت في كشف الوجه القبيح لأمريكا على المستوى العالمي.
إنها لمفارقة عجيبة أن تؤسَّس أمريكا لتكون تنويرية توحيدية، وينتهي بها الأمر لتكون إنجيلية صهيونية صليبية، ولكن هذا التحوّل البعيد ينبغي أن يفتح باب الأمل لأمة التوحيد الحقيقي لأن تجتهد في تحويلها إلى أمة مسلمة تعبد الله وحده لا شريك له، وتتخلى عن الغطرسة والاستكبار لتصبح أمة عدل وسلام؛ وذلك لا يكون إلا بالإسلام.

الرؤساء الأمريكيون الموحدون:

1 - الرئيس الثاني «جون آدمز» تولى الرئاسة ما بين عامي 1797 ـ 1801م وإليه تنسب معاهدة طرابلس مع الرئيس الأول «جورج واشنطن» التي نفى فيها أن تكون الجمهورية الأمريكية الحديثة ـ حينئذٍ ـ دولة نصرانية، وعليه فهي ليست معادية للإسلام بأي وجه من الوجوه.

2 - الرئيس الثالث «توماس جفرسُن» تولى الرئاسة ما بين عامي 1801م ـ 1809م وكتب الإنجيل المعدل عام 1804م، وقد كان نائباً للرئيس الثاني «جون آدمز» وهو أكثر المؤسسين أثراً في تكوين الفكر الأمريكي، وكان «جيمس ماديسون» المشهور بأبي الدستور الأمريكي متأثراً بفكره، وقد عينه وزيراً في حكومته، ثم خليفة له في الحكم.

3 - الرئيس السادس «جون قوينسي آدمز» تولى الرئاسة ما بين عامي 1825م ـ 1829م وهو ابن الرئيس الثاني.

4 - الرئيس الثالث عشر «ميلارد فلمور» تولى الرئاسة ما بين عامي 1850م ـ 1853م.

5 - الرئيس السابع والعشرون «وليام تافت» تولى الرئاسة ما بين عامي 1909م ـ 1913م وهو الذي ترأس الكنيسة الموحدية عام 1917م توفي عام 1930م.

الموحِّدون في العالم:
خارج الولايات المتحدة ورومانيا توجد أقليات منتمية إلى كنيسة التوحيد في بلاد كثيرة أهمها جمهورية التشيك، وهنغاريا، والهند، والفلبين، وألمانيا، ونيجيريا، وكندا، وإيرلندا، وإسكندنافيا.
على أنه ينبغي أن يُعْلم أن الذين لا يؤمنون بالتثليث ولا يعتقدون ألوهية المسيح ولا يجمعهم الانتماء إلى هذه الكنيسة هم أكثر عدداً، وهم ينتشرون في هذه الدول وغيرها منتسبين إلى كنائس أخرى أو متحررين من أي نسبة. وهم منجم خصب للدعوة إلى الله، وسيظل هؤلاء جميعاً برهاناً ساطعاً على أن الإسلام هو دين الفطرة، وأن وعد الله ـ تعالى ـ بإظهاره حق. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

__________________________________________

* الهوامش:

(1) أشهر المجامع الكنسية وأعظمها خطراً عقده علماء النصرانية بطلب الإمبراطور قسطنطين الذي أراد توحيد الإمبراطورية على عقيدة مشتركة بين الوثنية والنصرانية؛ وذلك سنة 325م أي قبل الهجرة بثلاثمائة سنة تقريباً.
_____

(1) جزء من حديث رواه مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه، رقم 2865.
(2) وهؤلاء صنف آخر من الموحدين ليسوا داخلين في موضوعنا.
(3) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ج3، ص 91.
(1) وتكتب أحياناً «الكلتية» نسبة إلى السلت أو الكلت، وهم مجموعة من الشعوب الأذربية كان لهم حضارة ما بين عامي 1200 ـ 200 قبل الميلاد، ولهم لغة وأساطير تميزهم عن الرومان واليونان.
(2) انظر سلفستر شولر في كتابه الضخم «الكنيسة قبل الإسلام»، ج 12 كله.
(3) المصدر السابق ج3 ص 81 ولاحظ تسميتهم جميعاً برابرة!
(4) انظر مادة سوسنيان في دائرة معارف كولومبيا المترجمة باسم الموسوعة العربية الميسرة.
(5) انظر التفصيل في قصة الحضارة، «ول ديورانت» ج 29 ص190 فما بعدها.
(6) والطائفتان الأخريان هما النسطورية واليعقوبية، وكلها تعتقد التثليث، وإن اختلفت في وصف الحلول أو الاتحاد بين الخالق والمخلوق.
(7) انظر مؤلفات سليمان الغزي، ومنها ج 3 ص 75، تحقيق المطران ناوفيطوس إدلبي.
(8) رواه مسلم، رقم 528.
(9) في سفر الخروج الفصل العشرون فقرة 3 ـ 5 «لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ولا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة».
___________

(1) انظر التفصيل في كتاب الإصلاح الديني في القرن السادس عشر.
(2) وقد درس اللغة العربية كما في قصة الحضارة ج 24ص 238. وانظر عنه وعن مقاومة الكنائس له، أزمة الضمير الأوروبي، بول هازار، تقديم طه حسين (ص96-97).
(3) مثل مترجمي كتاب «أزمة الضمير الأوروبي» هامش، ص 82.
(4) «ديورانت» 24/240 ـ 248، والموسوعة الفلسفية د. عبد الرحمن بدوي، مادة كالفن.
(5) في الأساطير اليونانية ولدت «أخيدنا» وهي نصف امرأة ونصف أفعى «سربيروس» ذا الرؤوس الثلاثة الذي عمل حارساً لهاديس حتى استطاع هرقل أن يأسره، وهرقل هذا في أساطيرهم هو ابن المعبود الأكبر «زيوس» وأشهر أبطال المثيولوجيا اليونانية ثم الرومانية» [انظر معجم الأساطير، ماكس شابيرو، ترجمة حنا عبود].
(6) أرسل الخليفة «لمقتدر» الرحالة المشهور «ابن فضلان» إلى ملك البلغار الذي أسلم، وراسل الخليفة وطلب أن يبعث إليه من يفقهه في الدين ويعلم قومه شرائع الإسلام، وقد وصل إلى تلك المملكة سنة 310 هـ 922م.
__________

(1) انظر كتاب «الزنديق الأعظم»، تأليف: جاي ديس، ترجمة أحمد نجيب هاشم.
(2) الربوبية: أصح تعريب لمصطلح «دايزم»، والربوبيون: هم الذين يؤمنون بالله رباً خالقاً ولا يؤمنون به إلهاً معبوداً.
(3) للتفصيل طالع كتاب: «تراثنا الموحدي» تأليف: إيرل مورس ويلبر [بالإنجليزية].
(1) وقد ورد ذلك في وثائق رسمية منها المعاهدة بين حكومة الولايات المتحدة وولاية طرابلس (ليبيا) التي كانت شبه مستقلة، وهي وثيقة مهمة كتبت سنة 1218هـ، لكنني لم أستطع العثور على نصها العربي، والنص الإنجليزي في المادة (12) صريح في أن أمريكا ليست دولة نصرانية، ومن ثم فليس بينها وبين أي دولة محمدية علاقة عداء.
(2) مثل: الثيوصوفية، الأرواحية، عبادة الآلهة القديمة في مصر والشرق، السحر، وكذلك فلسفات حديثة مثل: العصور الجديدة، التطورية الجديدة، الفلسفة الخالدة، هذا غير مئات من النحل المنتسبة للنصرانية اسماً.



السبت، 8 مايو 2010

بين النووي والنجار



كان في دمشق شخص يقال له ابن النجار " سعى في إحداث أمور على المسلمين باطلة فقام الشيخ – النووي - قدس الله روحه مع جماعة من علماء المسلمين فأزالوها بأذن الله تعالى ونصر الله، الحق وأهله، فغضب لذلك لكراهية مصلحة المسلمين ونصيحة الدين وبعث إلى الشيخ يتهدده ويقُول: أنت الذي تحزب العلماء على هذا، فكتب إليه الشيخ قدس الله روحه كتاباُ هذه صورته:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، من عبد الله يحيى النووي.

اعلم أيها المقصر في التأهب لمعاده، التارك مصلحة نفسه في تهيئة جهاده له وزاده، أني كنت لا أعلم كراهتك لنصرة الدين ونصيحة السلطان حملاً منى لك ما هو شأن المؤمنين من إحسان الظن بجميع الموحدين، وربما كنت أسمع في بعض الأحيان من يذكرك بغش المسلمين فأنكر عليه بلساني وبقلبي لأنها غيبة لا أعلم صحتها ولم أزل على هذا الحال إلى هذه الأيام فجري ما جرى من قول قائل للسلطان وفقه الله الكريم للخيرات إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عد بعض العلماء، وهذا من الافتراء الصريح والكذب القبيح، فوجب علي، وعلى جميع من علم هذا من العلماء أن يبين بطلان هذه المقالة، ودحض هذه الشناعة؛ فإنها خلاف إجماع المسلمين، وإنه لا يقول بها أحد من أئمة الدين وأن يُنهوا ذلك إلى سلطان المسلمين فأنه يجب على الناس نصيحته لقول النبي صلى الله عليه وسام في الحديث الصحيح: (الدين النصيحة لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم).
وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان وفقه الله تعالى لطاعته وتولاه بكرامته، وقد شاع بين الخواص والعوام أن السلطان كثير الاعتناء بالشرع ويحافظ على العمل به، وأنه بنى المدرسة لطوائف العلماء ورتب القضاة من المذاهب الأربعة، وأمر بالجلوس في دار العدل لإقامة الشرع وغير ذلك مما هو معروف من اعتناء السلطان أعز الله أنصاره بالشرع، وأنه إذا طلب منه العمل بالشرع أمر بذلك ولم يخالفه.
فلما افترى هذا القائل في أمر البساتين ما افتراه، ودلس على السلطان وأظهر أن انتزاعها جائز عند بعض العلماء وغش السلطان في ذلك، وبلغ ذلك علماء البلد فوجب عليهم نصيحة الدين والسلطان وعامة المسلمين، فوفقهم الله تعالى للأتفاق على كتب كتاب يتضمن ما ذكرته على جهة النصيحة للدين والسلطان والمسلمين. وذكر بقية الكتاب وأنا اختصرته - ولم يذكروا فيه أحداً بعينه بل قالوا : من زعم جواز انتزاعها فقد كذب، وكتب علماء المذاهب الأربعة خطوطهم بذلك لما يجب عليهم من النصيحة المذكورة، واتفقوا على تبليغها ولى الأمر أدام الله أيامه، يوجب عليهم أن ينصحوا ويبينوا حكم الشرع، ثم بلغني عن جماعات متكاثرات في أوقات مختلفات حصل لى العلم بقولهم، إنك كرهت سعيهم في ذلك، وشرعت في ذم فاعل ذلك، واشتد معظم ذلك كله إلى، ويا حبذا ذلك من صنيع وبلغني عنك هؤلاء الجماعات إنك قلت: قولوا ليحيى هذا الذي سعى في هذا فينكف عنه وإلا أخذت منه دار الحديث، وبلغني هؤلاء الجماعات: انك حلفت مرات بالطلاق الثلاث إنك ما تكلمت في انتزاع هذه البساتين، وانك تشتهى إطلاقها، فيا ظالم نفسه؛ أما تستحي من هذا الكلام المتناقض وكيف يصح الجمع بين شهوتك، وإطلاقها وانك لم تتكلم فيها، وبين كراهيتك السعي في إطلاقها ونصيحة السطلان والمسلمين، وياظلم نفسه؛ هل تعرض لك أحد بمكروه أو تكلم فيك بغيبة؛ وإنما قال العلماء: من قال هذا السلطان فقد كذب ودلس عليه وغشه ولم ينصحه؛ فإن السلطان ما يفعل هذا إلا لإعتقاده أنه حلال عند بعض العلماء؛ فبينوا أنه حرام عند جميعهم، وإنك قد قلت إنك لم تتكلم فيها وحلفت على هذا بالطلاق الثلاث فأي ضرر عليك في إبطال قول كاذب على الشرع، غاش مدلس على السلطان؟ وقد قلت أنه غيرك؛ وكيف تكره السعي على شيء قد أجمع الناس على استحسانه. بل هو واجب على من قدر عليه، وأنا بحمد الله من القادرين عليه بالطريق الذي سلكت، وأما نجاحه فهو إلى الله تعالى مقلب القلوب والأبصار، ثم أني أتعجب غاية التعجب من اتخاذك إياي خصما، يا حبذا ذلك من اتخاذ، فأني بحمد الله تعالى أحب في الله وأبغض فيه، فأحب من أطاعه وأبغض من خالفه، وإذا أخبرت عن نفسك بكراهيتك السعي في مصلحة المسلمين ونصيحة السلطان فقد دخلت في جملة المخالفين، وصرت من نبغضه لله رب العالمين؛ فان ذلك من الإيمان كما جاءت به الآثار الصحيحة المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار.
أرض لمن غاب عنك غيبته، فذاك ذنب عقابه فيه، وياظالم نفسه، أنا ما خاصمتك أو كلمتك أو ذكرتك أو بيني وبينك مخاصمة أو منازعة أو معاملة في شيء فما بالك تكره فعل خير يسرني الله الكريم له : (وَمَا نَقَمواُ مِنْهُمْ إلاً أنْ يؤْمِنُوا بِالله العزِيز الحميد) .
بل أنت لسوء نظرك لنفَسك، تنادي على نفسك، وتشهد الشهود بكراهية هذه النصيحة التي هي مصرحة بأنك أنت الذي تكلمت في هذه البساتين، وإن الطلاق عليك واقع، وما أبعد أن تكون شبيها بمن قال الله تعالى فيهم : (وَلتَعْرِِفَنَهُمْ فِي لَحْنِ الْقَولِ والله يَعْلَمُ أعْمالكُمْ).
ويا عدو الله، وعدو نفسه، أتراني أتكره معاداة من سلك طريقتك هذه، بل والله أحبها وأوثرها وأفعلها بحمد الله تعالى فان الحب في الله والبغض فيه واجب علي وعليك وعلى جميع المكلفين.
ولست أدري أي غرض لك في حرصك على الإنكار على الساعين في إعظام حرمات الدين ونصيحة السلطان والمسلمين؟ فيا ظالم نفسه، انته عن هذا، وارجع عن طريقة المباهتين والمعاندين.
وأعجب من هذا تكريرك الإشارة إلى بزعمك الفاسد كالمتوعد إن لم ينكف؛ أخذت منه دار الحديث.
فيا ظالم نفسه، وجاهل الخير وتاركه ، أطَّلعت على قلبي أني متهافت عليها أو ما علمت إني منحصر فيها أو تحققت إني معتمد عليها مستندا إليها أو عرفت أعتقد انحصار رزقي فيها أو ما علمت لو أنصفت كيف ابتداء أمرها أو ما كنت حاضرا مشاهد أخذي لها. ولو فرض تهافتي عليها أكنت أوثرها على مصلحة عامة المسلمين مشتملة على نصيحة الله ورسوله وسلطان المسلمين وعامتهم، مخافة من خيالاتك. إن هذه لغباوة منك عظيمة، وتعجبا منك كيف تقول هذا؟.
أأنت رب العالمين بيدك خزائن السموات والأرضين، وعليك رزقي ورزق الخلائق أجمعين!، أم أنت سلطان الوقت تحكم على الرعية بما تريد، فلو كنت عاقلاً ما تهجمت على التفوه بهذا الكلام الذي لا ينبغي أن يقوله إلا رب العالمين أو سلطان الوقت، مع أن سلطان الوقت منزه عن قولك الباطل، مرتفع المحل عن فعل ما ذكرت .
يا ظالم، فان كنت تقول هذا استقلالاً منك فقد أفتئت عليه، وأجرأت على أمر عظيم، ونسبته إلى الظلم والعدوان، وان كنت تقوله عنه فقد كذبت عليه، فانه بحمد الله حسن الاعتقاد في الشرع، وذلك من نعم الله تعالى عليه، والسلطان بحمد الله تعالى وفضله أكثر اعتقاداً في الشرع من غيره، ومعظم حرماته، وليس هو ممن يقابل ناصحه بهذيانات الجاهلين وترهات المخالفين، بل يقبل نصائحهم كما أمر الله تعالى. وأعلم أنها الظالم نفسه إني والله الذي لا إله إلا هو لا أترك شيئاً أقدر عليه من السعي في مناصحة الدين والسلطان والمسلمين وفرق حزب المخذلين، وسترى ما أتكلم به إن شاء الله تعالى عند هذا السلطان وفقه الله تعالى لطاعته وتولاه بكرامته في هذه القضية غيره الشرع وإعظاماً لحرمات الله تعالى وإقامة الدين، ونصيحة السلطان وعامة المسلمين.
ويا ظالم نفسه، أجلب بخيلك إن قدرت، واستعن بأهل المشرقين وما بين الخافضين، فإني بحمد الله في كفاية تامة، وأرجو من فضل الله تعالى إنك لا تقوي لمنابذة أقل الناس مرتبة بحمد الله تعالى ممن يسعى أو يود القتل في طاعة الله تعالى.
أتقوى يا ضعيف الحيل لمنابذتي، أبلغك يا هذا أني لا أومن بالقدر أو بلغك إني اعتقد أن الآجال تنقض وأن الأرزاق تتغير، أما تفكر في نفسك من قبيح ما أتيته من الفعال، وسوء ما نطقت به من المقال !
يا ظالم نفسه، من طلب رضي الله تعالى يرد خيالاتك وتمويهاتك وأباطيلك وترهاتك!! وبعد هذا كله، أرجو من فضل الله تعالى أن الله تعالى يوفق هذا السلطان ادام الله نعمه عليه لإطلاق هذه البساتين، وأن يفعل بها ما تقريه أعين المؤمنين، ويرغم به أنف المخالفين، فان الله تعالى قال: (والْعَاقِبة للمتَقين) والسلطان بحمد الله تعالى يفعل الخيرات فما تفوته في هذه القضية.
واعلم إنك عندي بحمد الله تعالى أقل ممن اهتم بشأنك، والتفت إلى خيالاتك وبطلانك، ولكني أريد أعرفك بعض أمري لتدخل نفسك في منابذة المسلمين بأسرهم، ومنابذة سلطانهم، وفقه الله تعالى على بصيرة منك وترتفع عنك جهالة بعض الأمر، ليكون دخولك بعد ذلك معاندة لا عذر لك فيها.
ويا ظالم نفسه؛ أتتوهم أنه يخفي علي وعلى من سلك طريق نصائح المسلمين وولاة الأمر وحماة الدين، أنا لا نعتقد صدق قول الله تعالى: (والْعَاقِبَةُ لِلمتقينَ ) وقوله: (وَلا يَحيقُ الْمكر السيَّء إلا بِأُهلِهِ).وقوله تعالى : (والذين جَاهَدوا فينَا لَنهْديَنَّهُمْ سُبُلنَا) وقوله تعالى: (إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصرُكُمْ وَيُثَبِِتْ أقْداَمكُم) وقوله تعالى (وكان حَقاًَ عَلينا نَصْرُ المؤمِنِيِن).وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خذلان من خذلهم) والمراد بهذه الطائفة أهل العلم كذا قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وغيره من أولي النهى والفهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم:ٍ (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) هذا فيمن كان في عون واحد من الناس، فكيف الظن بمن هو في عون المسلمين أجمعين؟ مع إعظام حرمات الشرع ونصحه السلطان وموالاته وبذل النفس في ذلك. وأعلم أني والله لا أتعرض لك بمكروه سوى أني أبغضك في الله تعالى، وما امتناعي عن التعرض لك بمكروه من عجز بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق به ويخبره وصلاحه وكراماته وفلاحه بأنك إن لم تبادر بالتوبة حل بك عقوبة عاجلة تكون بك آية لمن بعدك، لا يأثم بها أحد من الناس ، بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك عبره لمن بعدك.
فان كنت ناظرا لنفسك، فبادر بالرجوع عن سيئ أفعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح مقالك، قبل أن يحل بك مالا تقال فيه عثرتك ولا تغتر بسلامتك وثروتك ووصلتك وفكر في قول القائل:

قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعلم واريته ... وجامع بددت ما تجمع

والسلام على من اتبع الهدى
والحمد لله رب العالمين[6]

 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[6] تحفة الطالبين

مصطفى صادق الرافعي

يقول مصطفى صادق الرافعي في :
"وحي القلم" :

أتدري يا ولدي ما الفرق بين علماء الحق وعلماء السوء ، وكلهم آخذ من نور واحد لا يختلف ؟
أولئك في أخلاقهم كاللوح من البللور ، يُظهر النورُ نفسه فيه ، وهؤلاء بأخلاقهم كاللوح من الخشب ، يظهر النور حقيقته الخشبية لا غير !


وعالم السوء يفكر في كتب الشريعة وحدها ، فيسهل عليه أن يتأول ويحتال ، ويغير ويبدل ، ويظهر ويخفي .

والعالم الحق يفكر مع كتب الشريعة في صاحب الشريعة ، فهو معه في كل حالة ؛ يسأله : ماذا تفعل ؟ وماذا تقول ؟

والرجل الديني لا تتحول أخلاقه ، ولا تتفاوت ، ولا يجيء كل يوم من حوادث اليوم ، فهي بأخلاقه كلها ، لا يكون مرة ببعضها ومرة ببعضها ، ولن تراه مع ذوي السلطان وأهل الحكم والنعمة كعالم السوء هذا ؛ الذي لو نطقت أفعاله لقالت لله بلسانه : هم يعطوني الدراهم والدنانير ، فأين دراهمك أنت ودنانيرك ؟
إن الدينار يا ولدي إذا كان صحيحا في أحد وجهيه دون الآخر ، أو في بعضه دون بعض ، فهو زائف كله .[1]


قال عبد الرزاق : قدمنا مكة وقدمها الذي يقال له المهدي ، فحضرت الثوري وقد خرج من عنده وهو مغضب فقال : أدخلت آنفا إلي ابن أبي جعفر ، فقال لي : يا أبا عبد الله ، طلبناك فأعجزتنا فأمكننا الله منك في أحب المواضع إليه ، فارفع إلينا حوائجك ، قال : فقلت : وأي حاجة تكون لي إليك وأولاد المهاجرين وأولاد الأنصار يموتون خلف بابك جوعا ؟ فقال لي أبو عبيد الله: يا أبا عبد الله لا تكثر الفضول واطلب حوائجك من أمير المؤمنين، فقلت: مالي إليه من حاجة، لقد اخبرني إسماعيل بن أبي خالد أن عمر بن الخطاب – رضي الله عه - حج فقال لصاحب نفقته : كم أنفقنا في حجنا هذا ؟ قال : اثنا عشر دينارا، قال: أكثرنا ، أكثرنا ، أو قال: أسرفنا ، أسرفنا، وعلى أبوابكم أمور لا تقوم لها الجبال الراسيات. قال فقال لي ابن أبي جعفر: يا أبا عبد الله ، أفرأيت إن لم اقدر أن أوصل إلى كل ذي حق حقه فما أصنع ؟ قال: تفر بدينك وتلزم بيتك وتترك الأمر ومن يقدر أن يوصل إلى كل ذي حق حقه، قال فسكت، وقال لي أبو عبيد الله : أراك تكثر الفضول ، إن كانت لك حاجة فاطلبها وإلا فانصرف، قال فانصرفت.[2]
والله لكأن الأمر بالمعروف في زماننا يبكي على سفيان ؛ لكثرة علماء السوء الذين فرطحوا نعالهم أمام أبواب الحكام ، ودبّجـوا لهم فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان .[3]


قال أبو بكر ابن الطحان : كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند الدرج – يعني درج جيرون- ، فجاء الحافظ – الأثري عبد الغني المقدسي - فكسر شيئا كثيرا، ثم صعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدف والشبابة ، فقال: ذاك عندي حرام ولا أمشي إليه، ثم قرأ الحديث..فعاد الرسول فقال: لابد من المشي إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، فمضى الرسول وخفنا، فما جاء أحد.[4]


وأما سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، فله السيرة الهمة العليا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. لما تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين ، تصدى له سلطان العلماء ، فحرم ذلك وحرم بيع السلاح للفرنج ، ولم يدعُ للصالح ... فاعتقله بعون حاشية الشيطان .. ثم سير الصالح إسماعيل بعض خواصه يستلطف الشيخ قائلا : بيني وبينك أن تعود إلى مناصبك ، وما كنت عليه وزيادة ، أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير .. وهنا قال سلطان العلماء كلمات استعلاء أهل العلم وعزة العقيدة : " والله يا مسكين ، ما أرضاه أن يقبل يدي ، فضلا أن أقبل يده .. يا قوم ، أنتم في واد وأنا في واد .. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به " ... ولما كان ملوك الفرنج يسمعون تلاوته ويرون حاله وعبادته في الحبس قالوا للصالح إسماعيل : لو كان هذا قسيسا لغسلنا رجليه ، وشربنا مرقتها . [5]


هذا هو العالم الرباني .. أما علماء السوء فهم أقل من أن ننشغل بحكاية خبر بعضهم ، وأصدق وصف للفرد منهم :



يرمرمُ من فُتات الكفر قوتا == ويشرب من كؤوسهمُ الثمالهْ



يقبل راحة الطاغوت حينا == ويَلثَمُ دونما خجل نِعَالَهْ
 
 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وحي القلم .. نقلا عن صلاح الأمة للعفاني .
[2] الجرح والتعديــــل .
[3] صلاح الأمـــة .
[4] سير أعلام النبــلاء .
[5] طبقات الشافعية مختصرا على الشاهد

الخميس، 29 أبريل 2010

رفقا بنا .... يا أدعياء السلفية

إن محاولة تقويم أي رجل من الرجال أو مؤلَّف من المؤلَّفات بمقررات سابقة وخلفيات مبيتة تجعل الإنسان يميل عن الحق ميلاً واضحًا، فهو لا ينظر إلى المرء بمجموع أعماله, بل يتغاضى عن المحاسن, ولا يقع بين عينيه إلا الهفوات، بل قد يعطيها أكثر مما تستحق من النقد والتجريح.

لذا كان التجرد في التقويم من الأسباب المهمة التي تجعل الحكم صوابًا أو قريبًا من الصواب. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا}.

وكما يجب التجرد من هوى العداوة والبغضاء في النقد فإنه يجب التجرد من هوى الحب في المدح, وكما لا يجوز التحامل فإنه لا تجوز المحاباة. قال شعبة: "لو حابيت أحدًا لحابيت هشام بن حسان، كان ختني ولم يكن يحفظ".

وسئل علي بن المديني عن أبيه فقال: "سلوا غيري". فأعادوا فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: "هو الدين".

وكان أبو داود السجتساني يكذّب ابنه.

وقال عبيد الله بن عمرو: قال لي زيد بن أبي أُنيسة: "لا تكتب عن أخي؛ فإنه كذاب".
وتدبروا أيها الإخوة وصية الله لنبيه داود عليه السلام: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.
فلا ينبغي أن تكون المحبة لشخص أو البغضاء له دافعًا إلى إهمال العدل: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.
والقلب إن لم يسلم من التأثر بهذه العواطف القلبية فلابد من الخطأ في التقويم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن المعلوم أن مجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين، لا يدل على صحة قول ولا فساده, إلا إذا كان ذلك بهدى من الله, بل الاستدلال بذلك استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله؛ فإن اتّباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، وردّ القول والفعل الذي يبغضه بلا هدى من الله".

وقال أيضًا رحمه الله: "وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك, ولا يطلبه, ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله, بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه, ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وأنه الحق، وهو الدين".
اقصد وجه الله والنصح للمسلمين
وبهذا يتبين أن التجرد في القول والعمل وسلامة المقصد أصل مهم في تقويم الرجال وأعمالهم، حتى لو كان رأي الإنسان صحيحًا, لكنه لم يقصد به وجه الله تعالى ثم النصح للمسلمين؛ فإن عمله مردود غير مقبول, وهو مأزور غير مأجور إذا لم يتجاوز عنه ربه؛ قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم, إن لم يقصد منه بيان الحق وهدى الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا، وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد كما في نصوص الوعيد وغيرها.
وقد يهجر الرجل عقوبةً وتعزيزًا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام, كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الثلاثة الذين خلّفوا في غزوة تبوك".
فعلى الإنسان المسلم أن يفتش في قلبه ويطهّره من جميع آثار الهوى قبل أن يبدأ في تقويم شخص من الأشخاص أو كتاب من الكتب؛ لكي يكون متين الرأي منصفًا, بعيدًا عن الجور والظلم المذموم شرعًا، وذلك أن صاحب هذا القلب الطاهر السليم مطمئن البال, هادئ النفس, يحب الخير للناس, ويبذل النصح لهم, وهذه هي صفات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين مدحهم الله عز وجل بقوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
ومثل هذا يُلقى له القبول بين الناس حتى وهو يرد على الأخطاء والانحرافات؛ فإنه يصاحبه في ذلك شعور بالشفقة وحب الهداية للغير لا مجرد الرد والخصومة والجدال كما هو الحال في كثير ممن يتصدى للمخالفين له أو لشيخه؛ حيث إن الأمر يصل به إلى الاعتداء في كلامه لمن يخالفه في الفروع التي يسعها الخلاف, فضلاً عن الأصول, لا لشيء إلا لأنه خالفه أو خالف شيخه وكفى.
لا تشغل قلبك بما ينالك من الأذى
فبسلامة القلب ـ إخوة الإسلام ـ يتم العدل في جميع الأمور, وصاحب القلب السليم لا يؤذي المسلمين ولو آذوه، ولا ينتقم لنفسه.

وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين أحد عشر مشهدًا فيما يصيب المسلم من أذى الخلق وجنايتهم عليه, نكتفي بمشهد واحد؛ حيث يقول رحمه الله: "المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب، وهذا مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو أن لا يشغل قلبه وسِره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه، بل يفرّغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوّه منه أنفع له وألذ وأطيب، وأعون على مصالحه؛ فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه، فيكون بذلك مغبونًا، والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه، فأين سلامة القلب من امتلائه بالغلّ والوساوس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام.


ولابن تيمية رحمه الله رسالة كتبها إلى تلامذته بدمشق تبرز فيها هذه الصفة ـ سلامة القلب ـ بجلاء, نذكر مقاطع منها:

يقول رحمه الله في رسالته لتلامذته: "وتعلمون من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب, واجتماع الكلمة, وصلاح ذات البين؛ فإن الله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}, ويقول: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}, وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف, وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة".
إلى أن قال في الرسالة نفسها: "وأول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بي, فتعلمون ـ رضي الله عنكم ـ أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين ـ فضلاً عن أصحابنا ـ بشيء أصلاً, لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً, بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كلٌّ يحسبه, ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل: فلان قصّر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل مثل هذا يعود على قائله بالملام إلا أن يكون له من حسنة، وممن يغفر الله له إن شاء الله, وقد عفا الله عما سلف".
إلى أن قال رحمه الله في الرسالة نفسها: "فلا أحب أن يُنتصر من أحد بسبب كَذِبِه عليّ، أو ظُلمِه وعدوانه؛ فإني أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي, والذين كذبوا وظلموا في حلّ من جهتي".
انتهى كلامه رحمه الله، وهو كلام عظيم يستشعر قارئه فيه الصدق وقمة التجرد من الهوى، وقلّ من يكون كذلك..

وقد قال الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي: "هيهات هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوىً لا منجى له من الإثم ولا وزر، فلو حاسب نفسَه الرامي أخاه ما السبب الذي أهاج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك.



كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى

ونظرًا لأهمية هذه القاعدة ـ سلامة القلب والتجرد من الهوى ـ في تقويم الأشخاص والكتب كان من منهج أئمة الحديث في تقويم الرجال أن كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى، والأقران هم النظراء في المكانة والعلم أو المتنافسون في مجال ما، فهؤلاء الأقران كثيرًا ما يقع بينهم شيء من الاختلاف لأي سبب من الأسباب؛ فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض دون عدل أو تأنٍّ، حتى إن الواحد منهم قد يصف صاحبه بأوصاف يعلم يقينًا أنه بريء منها، ولكنّ حبّ الذات والانتصار للنفس يزكي فيه روح الغيرة والاعتداء.
ومن أجل هذا كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون هذا الجرح لأنه في الغالب لا يسلم من التجرد من الهوى ولا يصدر عن سلامة في القلب.



قال الإمام الذهبي: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به, لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد... وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين, ولو شئت لسردت من ذلك كراريس".
فإذا كان هذا كلام الذهبي في زمانه السالف وما قبله فكيف بحالنا اليوم؟!


وقال السبكي: "الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكّوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه مِن تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة، ولو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة؛ إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون.

فتأمل أخي المسلم كيف كان منهج سلفنا في تقويم الأشخاص, وكيف أصبحنا اليوم نقع في الأشخاص وننقدهم النقد اللاذع, ليس لأننا رأينا أخطاءهم بالعمل, ولكن اعتمادًا على كلام أقرانهم وقدح منافسيهم فيهم, مع أن ذلك لا يصلح الاعتماد عليه في النقد والتقويم, بل يطوى ولا يروى كما قال الأئمة.

ومن المهم أن ندرك أن صورة ذلك الاختلاف بين الأقران لا تقف عند المحدثين فحسب، بل تتعداه في عصرنا إلى العلماء والدعاة وشتى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

ولذا كان المنهج القسط أن ينظر إلى الخلفيات التي تكمن وراء الجرح والنقد، ومن ثم يوزن الجرح أو النقد بما يقتضيه الحال مع التحري والإنصاف, حتى لا يُتَّهم أحد بما ليس فيه، فليس كل جرح مؤثرًا، وليس كل اتهام مقبولاً.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه".

فتأمل كيف ابتعد الناس اليوم عن معنى هذا الكلام المستقيم؛ حيث أصبحوا يفقدون الثقة بعضهم ببعض اعتمادًا على شائعة أو اتباعًا لكلام حاسد.

ومن التجرد من الهوى الفرح بإصابة الغير للحق والحزن على مجانبتهم له، ولعل هذا الأمر من أصعب الأمور؛ لأنه يمثل قمة العدل والتقوى والورع، ومما يؤسف ويحزن أننا نرى الكثيرين من دعاة المسلمين اليوم ـ فضلاً عن عامتهم ـ إذا رأوا غيرهم قد أخطأ فإنهم يفرحون بذلك, حتى يحسبونه غلبة, بل إنك ترى الكثيرين منهم يتتبع الكتابات والمقالات التي قالها غيرهم, وهمهم الوحيد هو تتبع العثرات والفرح باصطيادها, في الوقت الذي لو وجدوا خلاف ذلك ـ من إصابة غيرهم للحق ـ فإنهم يحزنون لهذه الإصابة، وهذا ـ والعياذ بالله ـ هو الظلم والحقد والحسد والذي لا يلتقي مع الإخلاص والعدل وحب الخير للناس، وما أحسن الحكاية التي ذكرها ابن رجب رحمه الله حول هذا الأمر؛ حيث قال: "وقد استحسن الإمام أحمد ما حكي عن حاتم الأصم أنه قيل له: (أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته, فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث؛ أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه. ـ أو معنى هذا ـ فقال أحمد: ما أعقله من رجل).
و الله تعالى أعلم ، و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين.