السبت، 8 مايو 2010

بين النووي والنجار



كان في دمشق شخص يقال له ابن النجار " سعى في إحداث أمور على المسلمين باطلة فقام الشيخ – النووي - قدس الله روحه مع جماعة من علماء المسلمين فأزالوها بأذن الله تعالى ونصر الله، الحق وأهله، فغضب لذلك لكراهية مصلحة المسلمين ونصيحة الدين وبعث إلى الشيخ يتهدده ويقُول: أنت الذي تحزب العلماء على هذا، فكتب إليه الشيخ قدس الله روحه كتاباُ هذه صورته:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، من عبد الله يحيى النووي.

اعلم أيها المقصر في التأهب لمعاده، التارك مصلحة نفسه في تهيئة جهاده له وزاده، أني كنت لا أعلم كراهتك لنصرة الدين ونصيحة السلطان حملاً منى لك ما هو شأن المؤمنين من إحسان الظن بجميع الموحدين، وربما كنت أسمع في بعض الأحيان من يذكرك بغش المسلمين فأنكر عليه بلساني وبقلبي لأنها غيبة لا أعلم صحتها ولم أزل على هذا الحال إلى هذه الأيام فجري ما جرى من قول قائل للسلطان وفقه الله الكريم للخيرات إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عد بعض العلماء، وهذا من الافتراء الصريح والكذب القبيح، فوجب علي، وعلى جميع من علم هذا من العلماء أن يبين بطلان هذه المقالة، ودحض هذه الشناعة؛ فإنها خلاف إجماع المسلمين، وإنه لا يقول بها أحد من أئمة الدين وأن يُنهوا ذلك إلى سلطان المسلمين فأنه يجب على الناس نصيحته لقول النبي صلى الله عليه وسام في الحديث الصحيح: (الدين النصيحة لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم).
وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان وفقه الله تعالى لطاعته وتولاه بكرامته، وقد شاع بين الخواص والعوام أن السلطان كثير الاعتناء بالشرع ويحافظ على العمل به، وأنه بنى المدرسة لطوائف العلماء ورتب القضاة من المذاهب الأربعة، وأمر بالجلوس في دار العدل لإقامة الشرع وغير ذلك مما هو معروف من اعتناء السلطان أعز الله أنصاره بالشرع، وأنه إذا طلب منه العمل بالشرع أمر بذلك ولم يخالفه.
فلما افترى هذا القائل في أمر البساتين ما افتراه، ودلس على السلطان وأظهر أن انتزاعها جائز عند بعض العلماء وغش السلطان في ذلك، وبلغ ذلك علماء البلد فوجب عليهم نصيحة الدين والسلطان وعامة المسلمين، فوفقهم الله تعالى للأتفاق على كتب كتاب يتضمن ما ذكرته على جهة النصيحة للدين والسلطان والمسلمين. وذكر بقية الكتاب وأنا اختصرته - ولم يذكروا فيه أحداً بعينه بل قالوا : من زعم جواز انتزاعها فقد كذب، وكتب علماء المذاهب الأربعة خطوطهم بذلك لما يجب عليهم من النصيحة المذكورة، واتفقوا على تبليغها ولى الأمر أدام الله أيامه، يوجب عليهم أن ينصحوا ويبينوا حكم الشرع، ثم بلغني عن جماعات متكاثرات في أوقات مختلفات حصل لى العلم بقولهم، إنك كرهت سعيهم في ذلك، وشرعت في ذم فاعل ذلك، واشتد معظم ذلك كله إلى، ويا حبذا ذلك من صنيع وبلغني عنك هؤلاء الجماعات إنك قلت: قولوا ليحيى هذا الذي سعى في هذا فينكف عنه وإلا أخذت منه دار الحديث، وبلغني هؤلاء الجماعات: انك حلفت مرات بالطلاق الثلاث إنك ما تكلمت في انتزاع هذه البساتين، وانك تشتهى إطلاقها، فيا ظالم نفسه؛ أما تستحي من هذا الكلام المتناقض وكيف يصح الجمع بين شهوتك، وإطلاقها وانك لم تتكلم فيها، وبين كراهيتك السعي في إطلاقها ونصيحة السطلان والمسلمين، وياظلم نفسه؛ هل تعرض لك أحد بمكروه أو تكلم فيك بغيبة؛ وإنما قال العلماء: من قال هذا السلطان فقد كذب ودلس عليه وغشه ولم ينصحه؛ فإن السلطان ما يفعل هذا إلا لإعتقاده أنه حلال عند بعض العلماء؛ فبينوا أنه حرام عند جميعهم، وإنك قد قلت إنك لم تتكلم فيها وحلفت على هذا بالطلاق الثلاث فأي ضرر عليك في إبطال قول كاذب على الشرع، غاش مدلس على السلطان؟ وقد قلت أنه غيرك؛ وكيف تكره السعي على شيء قد أجمع الناس على استحسانه. بل هو واجب على من قدر عليه، وأنا بحمد الله من القادرين عليه بالطريق الذي سلكت، وأما نجاحه فهو إلى الله تعالى مقلب القلوب والأبصار، ثم أني أتعجب غاية التعجب من اتخاذك إياي خصما، يا حبذا ذلك من اتخاذ، فأني بحمد الله تعالى أحب في الله وأبغض فيه، فأحب من أطاعه وأبغض من خالفه، وإذا أخبرت عن نفسك بكراهيتك السعي في مصلحة المسلمين ونصيحة السلطان فقد دخلت في جملة المخالفين، وصرت من نبغضه لله رب العالمين؛ فان ذلك من الإيمان كما جاءت به الآثار الصحيحة المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار.
أرض لمن غاب عنك غيبته، فذاك ذنب عقابه فيه، وياظالم نفسه، أنا ما خاصمتك أو كلمتك أو ذكرتك أو بيني وبينك مخاصمة أو منازعة أو معاملة في شيء فما بالك تكره فعل خير يسرني الله الكريم له : (وَمَا نَقَمواُ مِنْهُمْ إلاً أنْ يؤْمِنُوا بِالله العزِيز الحميد) .
بل أنت لسوء نظرك لنفَسك، تنادي على نفسك، وتشهد الشهود بكراهية هذه النصيحة التي هي مصرحة بأنك أنت الذي تكلمت في هذه البساتين، وإن الطلاق عليك واقع، وما أبعد أن تكون شبيها بمن قال الله تعالى فيهم : (وَلتَعْرِِفَنَهُمْ فِي لَحْنِ الْقَولِ والله يَعْلَمُ أعْمالكُمْ).
ويا عدو الله، وعدو نفسه، أتراني أتكره معاداة من سلك طريقتك هذه، بل والله أحبها وأوثرها وأفعلها بحمد الله تعالى فان الحب في الله والبغض فيه واجب علي وعليك وعلى جميع المكلفين.
ولست أدري أي غرض لك في حرصك على الإنكار على الساعين في إعظام حرمات الدين ونصيحة السلطان والمسلمين؟ فيا ظالم نفسه، انته عن هذا، وارجع عن طريقة المباهتين والمعاندين.
وأعجب من هذا تكريرك الإشارة إلى بزعمك الفاسد كالمتوعد إن لم ينكف؛ أخذت منه دار الحديث.
فيا ظالم نفسه، وجاهل الخير وتاركه ، أطَّلعت على قلبي أني متهافت عليها أو ما علمت إني منحصر فيها أو تحققت إني معتمد عليها مستندا إليها أو عرفت أعتقد انحصار رزقي فيها أو ما علمت لو أنصفت كيف ابتداء أمرها أو ما كنت حاضرا مشاهد أخذي لها. ولو فرض تهافتي عليها أكنت أوثرها على مصلحة عامة المسلمين مشتملة على نصيحة الله ورسوله وسلطان المسلمين وعامتهم، مخافة من خيالاتك. إن هذه لغباوة منك عظيمة، وتعجبا منك كيف تقول هذا؟.
أأنت رب العالمين بيدك خزائن السموات والأرضين، وعليك رزقي ورزق الخلائق أجمعين!، أم أنت سلطان الوقت تحكم على الرعية بما تريد، فلو كنت عاقلاً ما تهجمت على التفوه بهذا الكلام الذي لا ينبغي أن يقوله إلا رب العالمين أو سلطان الوقت، مع أن سلطان الوقت منزه عن قولك الباطل، مرتفع المحل عن فعل ما ذكرت .
يا ظالم، فان كنت تقول هذا استقلالاً منك فقد أفتئت عليه، وأجرأت على أمر عظيم، ونسبته إلى الظلم والعدوان، وان كنت تقوله عنه فقد كذبت عليه، فانه بحمد الله حسن الاعتقاد في الشرع، وذلك من نعم الله تعالى عليه، والسلطان بحمد الله تعالى وفضله أكثر اعتقاداً في الشرع من غيره، ومعظم حرماته، وليس هو ممن يقابل ناصحه بهذيانات الجاهلين وترهات المخالفين، بل يقبل نصائحهم كما أمر الله تعالى. وأعلم أنها الظالم نفسه إني والله الذي لا إله إلا هو لا أترك شيئاً أقدر عليه من السعي في مناصحة الدين والسلطان والمسلمين وفرق حزب المخذلين، وسترى ما أتكلم به إن شاء الله تعالى عند هذا السلطان وفقه الله تعالى لطاعته وتولاه بكرامته في هذه القضية غيره الشرع وإعظاماً لحرمات الله تعالى وإقامة الدين، ونصيحة السلطان وعامة المسلمين.
ويا ظالم نفسه، أجلب بخيلك إن قدرت، واستعن بأهل المشرقين وما بين الخافضين، فإني بحمد الله في كفاية تامة، وأرجو من فضل الله تعالى إنك لا تقوي لمنابذة أقل الناس مرتبة بحمد الله تعالى ممن يسعى أو يود القتل في طاعة الله تعالى.
أتقوى يا ضعيف الحيل لمنابذتي، أبلغك يا هذا أني لا أومن بالقدر أو بلغك إني اعتقد أن الآجال تنقض وأن الأرزاق تتغير، أما تفكر في نفسك من قبيح ما أتيته من الفعال، وسوء ما نطقت به من المقال !
يا ظالم نفسه، من طلب رضي الله تعالى يرد خيالاتك وتمويهاتك وأباطيلك وترهاتك!! وبعد هذا كله، أرجو من فضل الله تعالى أن الله تعالى يوفق هذا السلطان ادام الله نعمه عليه لإطلاق هذه البساتين، وأن يفعل بها ما تقريه أعين المؤمنين، ويرغم به أنف المخالفين، فان الله تعالى قال: (والْعَاقِبة للمتَقين) والسلطان بحمد الله تعالى يفعل الخيرات فما تفوته في هذه القضية.
واعلم إنك عندي بحمد الله تعالى أقل ممن اهتم بشأنك، والتفت إلى خيالاتك وبطلانك، ولكني أريد أعرفك بعض أمري لتدخل نفسك في منابذة المسلمين بأسرهم، ومنابذة سلطانهم، وفقه الله تعالى على بصيرة منك وترتفع عنك جهالة بعض الأمر، ليكون دخولك بعد ذلك معاندة لا عذر لك فيها.
ويا ظالم نفسه؛ أتتوهم أنه يخفي علي وعلى من سلك طريق نصائح المسلمين وولاة الأمر وحماة الدين، أنا لا نعتقد صدق قول الله تعالى: (والْعَاقِبَةُ لِلمتقينَ ) وقوله: (وَلا يَحيقُ الْمكر السيَّء إلا بِأُهلِهِ).وقوله تعالى : (والذين جَاهَدوا فينَا لَنهْديَنَّهُمْ سُبُلنَا) وقوله تعالى: (إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصرُكُمْ وَيُثَبِِتْ أقْداَمكُم) وقوله تعالى (وكان حَقاًَ عَلينا نَصْرُ المؤمِنِيِن).وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خذلان من خذلهم) والمراد بهذه الطائفة أهل العلم كذا قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وغيره من أولي النهى والفهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم:ٍ (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) هذا فيمن كان في عون واحد من الناس، فكيف الظن بمن هو في عون المسلمين أجمعين؟ مع إعظام حرمات الشرع ونصحه السلطان وموالاته وبذل النفس في ذلك. وأعلم أني والله لا أتعرض لك بمكروه سوى أني أبغضك في الله تعالى، وما امتناعي عن التعرض لك بمكروه من عجز بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق به ويخبره وصلاحه وكراماته وفلاحه بأنك إن لم تبادر بالتوبة حل بك عقوبة عاجلة تكون بك آية لمن بعدك، لا يأثم بها أحد من الناس ، بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك عبره لمن بعدك.
فان كنت ناظرا لنفسك، فبادر بالرجوع عن سيئ أفعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح مقالك، قبل أن يحل بك مالا تقال فيه عثرتك ولا تغتر بسلامتك وثروتك ووصلتك وفكر في قول القائل:

قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعلم واريته ... وجامع بددت ما تجمع

والسلام على من اتبع الهدى
والحمد لله رب العالمين[6]

 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[6] تحفة الطالبين

مصطفى صادق الرافعي

يقول مصطفى صادق الرافعي في :
"وحي القلم" :

أتدري يا ولدي ما الفرق بين علماء الحق وعلماء السوء ، وكلهم آخذ من نور واحد لا يختلف ؟
أولئك في أخلاقهم كاللوح من البللور ، يُظهر النورُ نفسه فيه ، وهؤلاء بأخلاقهم كاللوح من الخشب ، يظهر النور حقيقته الخشبية لا غير !


وعالم السوء يفكر في كتب الشريعة وحدها ، فيسهل عليه أن يتأول ويحتال ، ويغير ويبدل ، ويظهر ويخفي .

والعالم الحق يفكر مع كتب الشريعة في صاحب الشريعة ، فهو معه في كل حالة ؛ يسأله : ماذا تفعل ؟ وماذا تقول ؟

والرجل الديني لا تتحول أخلاقه ، ولا تتفاوت ، ولا يجيء كل يوم من حوادث اليوم ، فهي بأخلاقه كلها ، لا يكون مرة ببعضها ومرة ببعضها ، ولن تراه مع ذوي السلطان وأهل الحكم والنعمة كعالم السوء هذا ؛ الذي لو نطقت أفعاله لقالت لله بلسانه : هم يعطوني الدراهم والدنانير ، فأين دراهمك أنت ودنانيرك ؟
إن الدينار يا ولدي إذا كان صحيحا في أحد وجهيه دون الآخر ، أو في بعضه دون بعض ، فهو زائف كله .[1]


قال عبد الرزاق : قدمنا مكة وقدمها الذي يقال له المهدي ، فحضرت الثوري وقد خرج من عنده وهو مغضب فقال : أدخلت آنفا إلي ابن أبي جعفر ، فقال لي : يا أبا عبد الله ، طلبناك فأعجزتنا فأمكننا الله منك في أحب المواضع إليه ، فارفع إلينا حوائجك ، قال : فقلت : وأي حاجة تكون لي إليك وأولاد المهاجرين وأولاد الأنصار يموتون خلف بابك جوعا ؟ فقال لي أبو عبيد الله: يا أبا عبد الله لا تكثر الفضول واطلب حوائجك من أمير المؤمنين، فقلت: مالي إليه من حاجة، لقد اخبرني إسماعيل بن أبي خالد أن عمر بن الخطاب – رضي الله عه - حج فقال لصاحب نفقته : كم أنفقنا في حجنا هذا ؟ قال : اثنا عشر دينارا، قال: أكثرنا ، أكثرنا ، أو قال: أسرفنا ، أسرفنا، وعلى أبوابكم أمور لا تقوم لها الجبال الراسيات. قال فقال لي ابن أبي جعفر: يا أبا عبد الله ، أفرأيت إن لم اقدر أن أوصل إلى كل ذي حق حقه فما أصنع ؟ قال: تفر بدينك وتلزم بيتك وتترك الأمر ومن يقدر أن يوصل إلى كل ذي حق حقه، قال فسكت، وقال لي أبو عبيد الله : أراك تكثر الفضول ، إن كانت لك حاجة فاطلبها وإلا فانصرف، قال فانصرفت.[2]
والله لكأن الأمر بالمعروف في زماننا يبكي على سفيان ؛ لكثرة علماء السوء الذين فرطحوا نعالهم أمام أبواب الحكام ، ودبّجـوا لهم فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان .[3]


قال أبو بكر ابن الطحان : كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند الدرج – يعني درج جيرون- ، فجاء الحافظ – الأثري عبد الغني المقدسي - فكسر شيئا كثيرا، ثم صعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدف والشبابة ، فقال: ذاك عندي حرام ولا أمشي إليه، ثم قرأ الحديث..فعاد الرسول فقال: لابد من المشي إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، فمضى الرسول وخفنا، فما جاء أحد.[4]


وأما سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ، فله السيرة الهمة العليا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. لما تحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين ، تصدى له سلطان العلماء ، فحرم ذلك وحرم بيع السلاح للفرنج ، ولم يدعُ للصالح ... فاعتقله بعون حاشية الشيطان .. ثم سير الصالح إسماعيل بعض خواصه يستلطف الشيخ قائلا : بيني وبينك أن تعود إلى مناصبك ، وما كنت عليه وزيادة ، أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير .. وهنا قال سلطان العلماء كلمات استعلاء أهل العلم وعزة العقيدة : " والله يا مسكين ، ما أرضاه أن يقبل يدي ، فضلا أن أقبل يده .. يا قوم ، أنتم في واد وأنا في واد .. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به " ... ولما كان ملوك الفرنج يسمعون تلاوته ويرون حاله وعبادته في الحبس قالوا للصالح إسماعيل : لو كان هذا قسيسا لغسلنا رجليه ، وشربنا مرقتها . [5]


هذا هو العالم الرباني .. أما علماء السوء فهم أقل من أن ننشغل بحكاية خبر بعضهم ، وأصدق وصف للفرد منهم :



يرمرمُ من فُتات الكفر قوتا == ويشرب من كؤوسهمُ الثمالهْ



يقبل راحة الطاغوت حينا == ويَلثَمُ دونما خجل نِعَالَهْ
 
 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وحي القلم .. نقلا عن صلاح الأمة للعفاني .
[2] الجرح والتعديــــل .
[3] صلاح الأمـــة .
[4] سير أعلام النبــلاء .
[5] طبقات الشافعية مختصرا على الشاهد

الخميس، 29 أبريل 2010

رفقا بنا .... يا أدعياء السلفية

إن محاولة تقويم أي رجل من الرجال أو مؤلَّف من المؤلَّفات بمقررات سابقة وخلفيات مبيتة تجعل الإنسان يميل عن الحق ميلاً واضحًا، فهو لا ينظر إلى المرء بمجموع أعماله, بل يتغاضى عن المحاسن, ولا يقع بين عينيه إلا الهفوات، بل قد يعطيها أكثر مما تستحق من النقد والتجريح.

لذا كان التجرد في التقويم من الأسباب المهمة التي تجعل الحكم صوابًا أو قريبًا من الصواب. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا}.

وكما يجب التجرد من هوى العداوة والبغضاء في النقد فإنه يجب التجرد من هوى الحب في المدح, وكما لا يجوز التحامل فإنه لا تجوز المحاباة. قال شعبة: "لو حابيت أحدًا لحابيت هشام بن حسان، كان ختني ولم يكن يحفظ".

وسئل علي بن المديني عن أبيه فقال: "سلوا غيري". فأعادوا فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: "هو الدين".

وكان أبو داود السجتساني يكذّب ابنه.

وقال عبيد الله بن عمرو: قال لي زيد بن أبي أُنيسة: "لا تكتب عن أخي؛ فإنه كذاب".
وتدبروا أيها الإخوة وصية الله لنبيه داود عليه السلام: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.
فلا ينبغي أن تكون المحبة لشخص أو البغضاء له دافعًا إلى إهمال العدل: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.
والقلب إن لم يسلم من التأثر بهذه العواطف القلبية فلابد من الخطأ في التقويم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن المعلوم أن مجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين، لا يدل على صحة قول ولا فساده, إلا إذا كان ذلك بهدى من الله, بل الاستدلال بذلك استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله؛ فإن اتّباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، وردّ القول والفعل الذي يبغضه بلا هدى من الله".

وقال أيضًا رحمه الله: "وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك, ولا يطلبه, ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله, بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه, ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وأنه الحق، وهو الدين".
اقصد وجه الله والنصح للمسلمين
وبهذا يتبين أن التجرد في القول والعمل وسلامة المقصد أصل مهم في تقويم الرجال وأعمالهم، حتى لو كان رأي الإنسان صحيحًا, لكنه لم يقصد به وجه الله تعالى ثم النصح للمسلمين؛ فإن عمله مردود غير مقبول, وهو مأزور غير مأجور إذا لم يتجاوز عنه ربه؛ قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم, إن لم يقصد منه بيان الحق وهدى الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا، وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد كما في نصوص الوعيد وغيرها.
وقد يهجر الرجل عقوبةً وتعزيزًا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام, كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الثلاثة الذين خلّفوا في غزوة تبوك".
فعلى الإنسان المسلم أن يفتش في قلبه ويطهّره من جميع آثار الهوى قبل أن يبدأ في تقويم شخص من الأشخاص أو كتاب من الكتب؛ لكي يكون متين الرأي منصفًا, بعيدًا عن الجور والظلم المذموم شرعًا، وذلك أن صاحب هذا القلب الطاهر السليم مطمئن البال, هادئ النفس, يحب الخير للناس, ويبذل النصح لهم, وهذه هي صفات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين مدحهم الله عز وجل بقوله: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
ومثل هذا يُلقى له القبول بين الناس حتى وهو يرد على الأخطاء والانحرافات؛ فإنه يصاحبه في ذلك شعور بالشفقة وحب الهداية للغير لا مجرد الرد والخصومة والجدال كما هو الحال في كثير ممن يتصدى للمخالفين له أو لشيخه؛ حيث إن الأمر يصل به إلى الاعتداء في كلامه لمن يخالفه في الفروع التي يسعها الخلاف, فضلاً عن الأصول, لا لشيء إلا لأنه خالفه أو خالف شيخه وكفى.
لا تشغل قلبك بما ينالك من الأذى
فبسلامة القلب ـ إخوة الإسلام ـ يتم العدل في جميع الأمور, وصاحب القلب السليم لا يؤذي المسلمين ولو آذوه، ولا ينتقم لنفسه.

وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين أحد عشر مشهدًا فيما يصيب المسلم من أذى الخلق وجنايتهم عليه, نكتفي بمشهد واحد؛ حيث يقول رحمه الله: "المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب، وهذا مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو أن لا يشغل قلبه وسِره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه، بل يفرّغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوّه منه أنفع له وألذ وأطيب، وأعون على مصالحه؛ فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه، فيكون بذلك مغبونًا، والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه، فأين سلامة القلب من امتلائه بالغلّ والوساوس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام.


ولابن تيمية رحمه الله رسالة كتبها إلى تلامذته بدمشق تبرز فيها هذه الصفة ـ سلامة القلب ـ بجلاء, نذكر مقاطع منها:

يقول رحمه الله في رسالته لتلامذته: "وتعلمون من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب, واجتماع الكلمة, وصلاح ذات البين؛ فإن الله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}, ويقول: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}, وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف, وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة".
إلى أن قال في الرسالة نفسها: "وأول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بي, فتعلمون ـ رضي الله عنكم ـ أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين ـ فضلاً عن أصحابنا ـ بشيء أصلاً, لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً, بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كلٌّ يحسبه, ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل: فلان قصّر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل مثل هذا يعود على قائله بالملام إلا أن يكون له من حسنة، وممن يغفر الله له إن شاء الله, وقد عفا الله عما سلف".
إلى أن قال رحمه الله في الرسالة نفسها: "فلا أحب أن يُنتصر من أحد بسبب كَذِبِه عليّ، أو ظُلمِه وعدوانه؛ فإني أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي, والذين كذبوا وظلموا في حلّ من جهتي".
انتهى كلامه رحمه الله، وهو كلام عظيم يستشعر قارئه فيه الصدق وقمة التجرد من الهوى، وقلّ من يكون كذلك..

وقد قال الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي: "هيهات هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوىً لا منجى له من الإثم ولا وزر، فلو حاسب نفسَه الرامي أخاه ما السبب الذي أهاج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك.



كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى

ونظرًا لأهمية هذه القاعدة ـ سلامة القلب والتجرد من الهوى ـ في تقويم الأشخاص والكتب كان من منهج أئمة الحديث في تقويم الرجال أن كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى، والأقران هم النظراء في المكانة والعلم أو المتنافسون في مجال ما، فهؤلاء الأقران كثيرًا ما يقع بينهم شيء من الاختلاف لأي سبب من الأسباب؛ فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض دون عدل أو تأنٍّ، حتى إن الواحد منهم قد يصف صاحبه بأوصاف يعلم يقينًا أنه بريء منها، ولكنّ حبّ الذات والانتصار للنفس يزكي فيه روح الغيرة والاعتداء.
ومن أجل هذا كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون هذا الجرح لأنه في الغالب لا يسلم من التجرد من الهوى ولا يصدر عن سلامة في القلب.



قال الإمام الذهبي: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به, لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد... وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين, ولو شئت لسردت من ذلك كراريس".
فإذا كان هذا كلام الذهبي في زمانه السالف وما قبله فكيف بحالنا اليوم؟!


وقال السبكي: "الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكّوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه مِن تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة، ولو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة؛ إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون.

فتأمل أخي المسلم كيف كان منهج سلفنا في تقويم الأشخاص, وكيف أصبحنا اليوم نقع في الأشخاص وننقدهم النقد اللاذع, ليس لأننا رأينا أخطاءهم بالعمل, ولكن اعتمادًا على كلام أقرانهم وقدح منافسيهم فيهم, مع أن ذلك لا يصلح الاعتماد عليه في النقد والتقويم, بل يطوى ولا يروى كما قال الأئمة.

ومن المهم أن ندرك أن صورة ذلك الاختلاف بين الأقران لا تقف عند المحدثين فحسب، بل تتعداه في عصرنا إلى العلماء والدعاة وشتى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

ولذا كان المنهج القسط أن ينظر إلى الخلفيات التي تكمن وراء الجرح والنقد، ومن ثم يوزن الجرح أو النقد بما يقتضيه الحال مع التحري والإنصاف, حتى لا يُتَّهم أحد بما ليس فيه، فليس كل جرح مؤثرًا، وليس كل اتهام مقبولاً.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه".

فتأمل كيف ابتعد الناس اليوم عن معنى هذا الكلام المستقيم؛ حيث أصبحوا يفقدون الثقة بعضهم ببعض اعتمادًا على شائعة أو اتباعًا لكلام حاسد.

ومن التجرد من الهوى الفرح بإصابة الغير للحق والحزن على مجانبتهم له، ولعل هذا الأمر من أصعب الأمور؛ لأنه يمثل قمة العدل والتقوى والورع، ومما يؤسف ويحزن أننا نرى الكثيرين من دعاة المسلمين اليوم ـ فضلاً عن عامتهم ـ إذا رأوا غيرهم قد أخطأ فإنهم يفرحون بذلك, حتى يحسبونه غلبة, بل إنك ترى الكثيرين منهم يتتبع الكتابات والمقالات التي قالها غيرهم, وهمهم الوحيد هو تتبع العثرات والفرح باصطيادها, في الوقت الذي لو وجدوا خلاف ذلك ـ من إصابة غيرهم للحق ـ فإنهم يحزنون لهذه الإصابة، وهذا ـ والعياذ بالله ـ هو الظلم والحقد والحسد والذي لا يلتقي مع الإخلاص والعدل وحب الخير للناس، وما أحسن الحكاية التي ذكرها ابن رجب رحمه الله حول هذا الأمر؛ حيث قال: "وقد استحسن الإمام أحمد ما حكي عن حاتم الأصم أنه قيل له: (أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته, فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث؛ أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه. ـ أو معنى هذا ـ فقال أحمد: ما أعقله من رجل).
و الله تعالى أعلم ، و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين.







الثلاثاء، 20 أبريل 2010

هل الروح هي النفس ؟

قال أبو عبدالله القرطبي رحمه الله :

الفصل الأول: تأمل يا أخي وفقني الله وإياك هذا الحديث وما قبله من الأحاديث ترشدك إلى أن الروح والنفس شيء واحد، وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة يجذب ويخرج، وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى وهو ممّا له أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيب وخبيث. وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض.
فصل: في قوله عليه السلام: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر». وقوله: «فذلك حين يتبع بصره نفسه» ما يستغنى به عن قول كل قائل في الروح والنفس، وإنهما اسمان لمسمى واحد، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
* التذكرة في أحوال الموتى
 
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله :
 
أما الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة، وهي النفس. وأما ما يؤيد الله به أولياءه فهي روح أخرى غير هذه الروح كما قال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمانَ وأيدهم بروح منه}.
* الروح
 
 
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله :
 
روى أحمد بن حنبل، وابن ماجه عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيراً، فإنه يؤمن على ما يقول أهل البيت».
ودلائل هذا الأصل وبين مسمى «الروح والنفس» وما فيه من الاشتراك كثير لا يحتمله هذا الجواب، وقد بسطناه في غير هذا الموضع
* مجموع فتاوى ابن تيمية
 
 
وقال ابن رجب رحمه الله :
 
وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لما استيقظوا: (أي بلال)، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ – بأبي [أنت] وأمي يا رسول الله – بنفسك.وفيه: دليل لمن لا يفرق بين الروح والنفس؛ فإنه أقر بلالاً على قوله: إن الله أخذ بأنفسهم، مع قوله: (إن الله قبض أرواحنا).
وقد قيل: إن ذاتهما واحدة وصفاتهما مختلفة، فإذا اتصفت النفس بمحبة الطاعة والانقياد لها نهى روح، وإن اتصفت بالميل إلى الهوى المضر والانقياد لها فهي نفس.
* فتح الباري شرح صحيح البخاري
 
7جمادى الأولى 1431هـ
 
 
 
 
 

متى تكون المرأة زوجاً ومتى لا تكون ؟

متى تكون المرأة زوجاً ومتى لا تكون ؟



عند استقراء الآيات القرآنية التي جاء فيها اللفظين ، نلحظ أن لفظ \"زوج\" يُطلق على المرأة إذا كانت الزوجية تامّة بينها وبين زوجها ، وكان التوافق والإقتران والإنسجام تامّاً بينهما ، بدون اختلاف ديني أو نفسي أو جنسي ..
فإن لم يكن التوافق والإنسجام كاملاً ، ولم تكن الزوجية متحقّقة بينهما ، فإن القرآن يطلق عليها \"امرأة\" وليست زوجاً ، كأن يكون اختلاف ديني عقدي أو جنسي بينهما ..
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى : \"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ\" ،
وقوله تعالى : \"وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا\" .
وبهذا الإعتبار جعل القرآن حواء زوجاً لآدم ، في قوله تعالى : \"وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ\" .
وبهذا الإعتبار جعل القرآن نساء النبي صلى الله عليه وسلم \"أزواجاً\" له ،
في قوله تعالى : \"النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ\" .
فإذا لم يتحقّق الإنسجام والتشابه والتوافق بين الزوجين لمانع من الموانع فإن القرآن يسمّي الأنثى \"امرأة\" وليس \"زوجاً\" .
ورد في القرآن : امرأة نوح ، وامرأة لوط ، ولم يقل : زوج نوح أو زوج لوط ، وهذا في قوله تعالى : \"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا\" .
إنهما كافرتان ، مع أن كل واحدة منهما امرأة نبي ، ولكن كفرها لم يحقّق الإنسجام والتوافق بينها وبين بعلها النبي . ولهذا ليست \"زوجاً\" له ، وإنما هي \"امرأة\" تحته .
ولهذا الإعتبار ورد في القرآن : امرأة فرعون ، في قوله تعالى : \"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ\" . لأن بينها وبين فرعون مانع من الزوجية ، فهي مؤمنة وهو كافر ، ولذلك لم يتحقّق الإنسجام بينهما ، فهي \"امرأته\" وليست \"زوجه\" .
ومن روائع التعبير القرآني العظيم في التفريق بين \"زوج\" و\"امرأة\" ما جرى في إخبار القرآن عن دعاء زكريا ، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، أن يرزقه ولداً يرثه . فقد كانت امرأته عاقر لا تنجب ، وطمع هو في آية من الله تعالى ، فاستجاب الله له ، وجعل امرأته قادرة على الحمل والولادة .عندما كانت امرأته عاقراً أطلق عليها القرآن كلمة \"امرأة\" ، قال تعالى على لسان زكريا : \"وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا\" . وعندما أخبره الله تعالى أنه استجاب دعاءه ، وأنه سيرزقه بغلام ، أعاد الكلام عن عقم امرأته ، فكيف تلد وهي عاقر ،
قال تعالى : \"قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء\" .
وحكمة إطلاق كلمة \"امرأة\" على زوج زكريا عليه السلام أن الزوجية بينهما لم تتحقّق في أتمّ صورها وحالاتها ، رغم أنه نبي ، ورغم أن امرأته كانت مؤمنة ، وكانا على وفاق تامّ من الناحية الدينية الإيمانية .ولكن عدم التوافق والإنسجام التامّ بينهما ، كان في عدم إنجاب امرأته ،
والهدف \"النسلي\" من الزواج هو النسل والذرية ، فإذا وُجد مانع بيولوجي عند أحد الزوجين يمنعه من الإنجاب ، فإن الزوجية لم تتحقّق بصورة تامّة .ولأن امرأة زكريا عليه السلام عاقر ، فإن الزوجية بينهما لم تتمّ بصورة متكاملة ، ولذلك أطلق عليها القرآن كلمة \"امرأة\" .وبعدما زال المانع من الحمل ، وأصلحها الله تعالى ، وولدت لزكريا ابنه يحيى ، فإن القرآن لم يطلق عليها \"امرأة\" ، وإنما أطلق عليها كلمة \"زوج\" ، لأن الزوجية تحقّقت بينهما على أتمّ صورة . قال تعالى : \"وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ\"
والخلاصة أن امرأة زكريا عليه السلام قبل ولادتها يحيى هي \"امرأة\" زكريا في القرآن ، لكنها بعد ولادتها يحيى هي \"زوج\" وليست مجرّد امرأته .
وبهذا عرفنا الفرق الدقيق بين \"زوج\" و\"امرأة\" في التعبير القرآني العظيم ، وأنهما ليسا مترادفين .
سبحان الله بحمده ..سبحان الله العظيم







منقول نسيت ممن

المفتي الماجن

المفتي الماجن




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وعلى آله وصحبه ومن والاه ,,,, أما بعد

قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - :

" من أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال : إن سريرتي حسنة " .فإن مكانة أهل العلم والعلماء عظيمة عند أهل الإسلام بتعظيم الله ورسوله لها قال الله تعالى " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "

قال ابن القيم – رحمه الله – معلقا على هذه الآية :" وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية الثناء على أهل العلم الشاهدين بها وتعديلها فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته , واستشهد بهم جل وعلا على أجل مشهود به " يعني التوحيد " , وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة , كما يحُتج بالبينة على من أنكر الحق فالحجة قامت بالرسل على الخلق وهؤلاء نواب الرسل وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد "

وقال صلى الله عليه وسلم :" ... إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " أخرجه أبو داود والترمذي وبوب عليه البخاري دون ذكر نص الحديث .

ومن أراد معرفة منزلة العلماء فليراجع كتب السلف ومنها كتاب ( جامع بيان العلم وفضله ) لابن عبد البر – رحمه الله – وغيره .

وهذا ليس مدار كلامي وإنما مدار كلامي على من ألبسوا أنفسهم لبوس العلماء , وتزيّوا بزيهم , فظنوا أنهم في مصافهم , وحفظوا بعض كلام العلماء ليمرروا لأنفسهم الظالمة ما يصبون إليه من الرياسة أو الجاه أو الشهرة أو ما سوّلت لهم أنفسهم إليه , وما علم هؤلاء أن جريرتها عظيمة , وتبعاتها وخيمة , والتاريخ شاهد على ذلك ( والتاريخ لا يرحم ) .

وقد سمع هؤلاء بفضل العلم ومكانة العلماء وأنهم قادة الأمة وروحها , فحدثتهم أنفسهم بهذه المنزلة العظيمة دون علم ولا دراية , فسعوا للقمة بالنزول إلى الدرك !!!

فهم أرادوا أن يقال لهم قبل أسمائهم ( العالم فلان ) فأثبتوا لأنفسهم قبل أسمائهم ( المفتي الماجن فلان ) !!!

وقبل أن نقلب صفحات كتب السلف عن أقوالهم في ( المفتي الماجن ) نريد تعريفا لهذا المسمى : جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام " المفتي الماجن : هو من يعلم الناس الحيل الباطلة أي : الحيل المؤدية إلى الضرر والذي يفتي عن جهل ولا يبالي بتحليل الحرام وتحريم الحلال يقولون : رجل ماجن , والماجن مأخوذ من المجون ومعناه الصلب والغليظ والذي لا يخشى كلام الناس ولا يبالي بما صنع , يعني : هو الذي لا يستحيي ولا يخجل ولعله مأخوذ من غلظ الوجه إذا قل حياؤه "

فهؤلاء المفتين المجنة يخلطون الحق بالباطل والصحيح بالسقيم والضعيف , والمشهور بالشاذ , والمحفوظ بالمطـّرح , فيميعون الدين بحجة التيسير , والأحكام بحجة الرحمة , والثوابت بحجة الواقع , ولو استطاعوا تغيير الدين بأكمله لما تلبثوا بذلك إلا يسيرا , وكل ذلك بليّ ٍللنصوص ببهرج من القول يستميل أذن السامع وصدق الله تعالى فيهم إذ يقول " وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ " .
وهذه بعض صفاتهم سقتها لكم وهي شاهدة عليهم , والمنكر لوجود مثل هؤلاء كالمنكر للمنقول والمعقول :.
وقد ضرب الله مثلا لهؤلاء المجنة بمثال بشع وصف حالهم بأدق وصف وأبلغه كيف لا وهو من عند الله تبارك وتعالى قال سبحانه " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "
نسأل الله السلامة والعافية .
وجاء في كتب الأماجد من السادة العلماء ذكر لحال هؤلاء المجنة والحكم فيهم وإليكم شيئا من أخبارهم .
ذكر الفقهاء – رحمهم الله تعالى – أصناف من يجب على الحاكم الحجر عليه فذكروا :
السفيه , والمَدِين , والطبيب الجاهل , والمُـكاري المفلس , والمفتي الماجن .
وقالوا بأن هذا الحكم من مصالح الأمة العظمى .
بل إن أبو حنيفة – رحمه الله – الذي يرى عدم الحجر على السفيه إحتراما ً لآدميته , يقول – رحمه الله – بوجوب الحجر على المفتي الماجن المتلاعب بأحكام الشرع .
وقال شيخ الإسلام – رحمه الله - :" وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين ، بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بيـّن له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة , والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك ، ويعاقب إن لم يمتنع "
فرحم الله شيخ الإسلام كيف يقول لو رأى تخبط هؤلاء الذين يناقضون الكتاب والسنة علانية ً وينتصرون لأقوالهم بشواذ الأقوال ومع ذلك يصرّون على قولهم بل وصل ببعضهم الجنون إلى حد القول بأن قولهم حق وخلافه باطل !!!
قال أحد أئمة الدعوة النجدية – رحمهم الله – عن أمثال هؤلاء المَجَنة :" وهذا الضرب من الناس : أفسدوا بدعواهم العلم ، على كثير من العامة دينهم ، لما قلدوهم لهواهم ، وأحسنوا بهم الظن ، وفاقا لدنياهم ; فتأمل تجد ما ذكرته واقعا "
فرحمه الله يقول هذا في وقت لم تكن الفتوى تخرج من البلد الذي قيلت فيه إلا بعد وقت وربما تموت فيه , فماذا سيقول لو رأى وقتنا والإعلام بأنواعه الذي يبث الغث والسمين على ملايين البشر !!!
والعجب كل العجب أن هؤلاء لا يستحون من التكلم في كل شيء فهم يتكلمون في النوازل ككلامهم في مسائل الطهارة , وفي الثوابت ككلامهم في الخلافيات الفقهية , مع جهل عجيب بالمسائل التي يتصدون لها .
وهم مع ذلك قد باعوا أعظم مطلوب وهو رضى الله والجنة , بأحقر مكتسب وهو كلام الناس , فأنظر أبعد هذا الغبن من غبن ؟؟؟
قال سحنون: " أشقى الناس من باع آخرته بدنياه ، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره , فقال : تفكرت فيه وجدته المفتى يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته فيقول له : لا شيء عليك فيذهب الحانث فيستمتع بامراته ورقيقته وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا " اللهم أسترنا بسترك الجميل .
هذا لمن باع آخرته لدنيا غيره , فكيف بمن باع دنياه وأخراه بالهوى !!!
وبعد هذه الجولة العاطرة في رياض الأئمة الأعلام والسادة الكرام من علمائنا الأجلة في هؤلاء المفتين المَجَنة , نرجع للعمل الواجب على من وليّ على المسلمين من الولاة والحكام تجاههم .
قال ابن القيم - رحمه الله - :" من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ٍ ، ومن أقرّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا ً " .
وقال أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله - :" ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية ، وهؤلاء بمنـزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق ، وبمنـزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة ، وبمنـزلة من لا معرفة له بالطب ، وهو يطب الناس ، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم ، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين ؟! "
فالله الله يا ولاة المسلمين في التصدي لهذا السيل الهادر من الآراء الشاذة والأقوال المرذولة من هؤلاء القوم .
أسأل الله أن يشرح صدور ولاتنا وولاة المسلمين لكف هؤلاء المفتين المَجَنة , حماية لأديان الناس ومسيرهم إلى الله تعالى .



=== لفتة ===
::
قال ابن القيم – رحمه الله – معلقا على بعض المسائل الفقهية التي حققها وأنتصر لها بالدليل :" فإنها مشتملة على فوائد جمة , وقواعد مهمة , ومباحث , لمن قصده الظفر بالحق , وإعطاء كل ذي حق حقه , من غير ميل مع ذي مذهبه , ولا خدمة لإمامه وأصحابه , بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تابع للدليل حريص على الظفر بالسنة والسبيل , يدور مع الحق أنى توجهت ركائبه , ويستقر معه حيث استقرت مضاربه , ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته , وتطلعت نوازع قلبه , واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة , والورود من عين حوض النبوة , والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة , والآراء المتناقضة , إلى فضاء العلم الموروث , عمن لا ينطق عن الهوى , ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى , وبيداء اليقين التي من حلها حشد في زمرة العلماء , وعد من ورثة الأنبياء , وما هي إلا أوقات محدودة , وأنفاس على العبد معدودة , فلينفقها فيما شاء " .

أنت القتيل لكل من أحببته ,,, فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي "



أسأل الله أن يهديني وجميع المسلمين لصراطه المستقيم .





منقول من

موسى الغنامي

.





ــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
المراجع
الكفاية للخطيب البغدادي .التفسير القيم . درر الحكام شرح مجلة الأحكام . اللباب للميداني . حاشية رد المحتار . مجموع الفتاوى . الدرر السنية . بدائع الفوائد . إعلام الموقعين . تهذيب سنن أبو داود لأبن القيم .

الخميس، 14 يناير 2010

جورج غلوي جعجعة أم إنسانية ؟!




اذا ماعلمنا أن اسرائيل خط أحمر في أورباء وخاصة أورباء الغربية وبالتالي كل من يحاول الاقتراب من هذا الخط سوف يجد نفسه بين عشية وضحاها خارج السطح العملي او خارج بقعة الضوء السياسية مهمشا على أقل تقدير اذا لم يدفع ثمن هذه الجرأة مستقبله او شيء من خواصه ... فلنا أن نتسائل :
ماسر هذه الخصوصية لجورج غلوي ؟
بين الحين والآخر يطالعنا السيد غلوي بخطاب ناري على اسرائيل في البرلمانات او في الصحف او في القنوات النلفزيونية ، ومع هذا لا أجده يلاقي نفس مصير الكثيرين ممن تعرضوا للكيان الاسرائيلي كديفيد إيرفينج على سبيل المثال الذي امضى 13 شهرا في السجن لبعض اقواله في الهولوكوست ثم محاربته اعلاميا والتضييق عليه ، وغيره ممن لايخفى خبرهم ، في المقابل أجد جورج غلوي وكأن هالة من القداسة تحيط به أو كأنه هو الاخر حوله سياج أو خط أحمر .
الى أن تبدى بعض خيوط الفجر في هذا الرجل - على الاقل بالنسبة لي - حين اتجه بقافلته الى مصر ومنها الى رفح ثم الى غزه
السؤال : هل طريق جورج غلوي وقافلته يمر بمصر حتما ؟
واذا ماستثنينا المداخل التي تقع في جانب العدو الأصل في الحصار وهي دولة اسرائيل
ألا يوجد مدخل لغزة من البحر مباشرة ؟ !
فلماذا يصر غلوي على الذهاب الى مصر ؟
ألم يأتي هو وغيره من قوافل الخير من قطر واليونان وغيرهم عن طريق البحر ؟
فلم لم يتوجهوا الى مرفأ غزة مباشرة بدلا من مصر ؟
أليس في هذا إختصارا للوقت والجهد وأسرع لوصول الإعانات الى مستحقيها بأخصر الطرق ؟!
إذا ما الداعي لإقحام مصر ؟
ثم ماهذا اللجاج الإعلامي من قبل بعض القنوات الموجهة بصورة ظاهرة نحو الهجوم على مصر بعينها وكأن القافله فيها الجنة الموعوده لأهل غزه وربما صوروها قافلة لتحرير الأقصى الذي ماعادت هذه القنوات من الإعلام تهتم به أصلا

لا أنوي الجزم بخبث غلوي ورفاقه 
ولا انوي القول بأن قطر العصى الناعمة لإسرائيل 
كما لا أنوي الدفاع عن حسني الذي ماترك هو ونظامه العفن ثغرة يدافع أحد عنه بها ...
لكن هل هذا الالتواء من قلوي له مايبرره ؟
هل تحركت بأزرق العينين الشهامة العروبية ؟!
أم أنه يحلم بقومية عربية ؟
هل تصدقون تخمة غلوي بالمشاعر الانسانية ؟ أم أنه فعلا كذلك ؟


ألا يستحق المشهد نظراً أبعد من مجرد جعجعة في الهواء ؟!!

السبت، 5 سبتمبر 2009

الحرية مطلب

قد لا يضيف جديدا من يقول أن الإنسان خلق وفي أصل خلقته توق للحرية والإنعتاق من ذل التبعية للآخر ونحن عندما نطلق كلمة الحرية فهي بمعنى الحرية البشرية التي لا يكون فيها لأحد من البشر سلطان على شريكه البشري في كينونته ووجوده حراً كريما يستشعر وجوده داخل مجتمع بشري أرضي يحترم جنسه ولونه وذاته ، فهي حرية جاءت بمنحة من سلطة محايدة لا صلة بينها وبين أحد بل جميع البشر في ميزانها سواسية من حيث المبدأ والنشأة ولما تقرر عقلا أنه لا يمكن بحال من الأحوال أن تستقيم هذه الشراكة التي يتمكن فيها البشر بعمومهم من التعايش بما يكفل لكل فرد منهم تحقيق كينونته وملكيته على كافة الصعد إلا بنظم وأطر تثبت جدارتها في الحيادية وعدم التعدي أو تفضيل جنس أو عرق على آخر لأي سبب كان ، إلا ما كان من مدى تقيد هذا الجنس أو العرق أو الفرد بتقنيناتها وأوامرها التي جاءت بها ، والأفضيلة بهذا ليست للعرق ابتداءً وإنما لوقوفه في الجانب الذي يحقق المصلحة المرجوة بحسب ما يرى ذلك النظام الذي يزعم حياديته وهذا مبدأ عقلي لا مشاحة فيه إطلاقاً ، وعلى هذا يخطي من يتصور بأن الحرية هي الحرية التي تنعتق من ربقة النظام الذي من شأنه قيام المجتمعات أو انهيارها ، إذ الأصل هو خلق مجتمع نوعي يحقق الدولة القوية في كل جوانبها لينعكس هذا تلقائيا على حرية الفرد والتي تختلف من فرد لآخر ، ولولا وجود النظام الذي يؤطر هذه الحرية لكان من حرية أحدهم أن يغتصب حرية الآخر إذا ماعتمدنا قانون البقاء العام ، ومن هنا فنحن نقول بالحرية المنضبطة بإطار عام يحزم الأمر في حفظ حقوق هذا تماما كما هو في حقوق ذاك ، ولا ميزة لأحد تحت مضلة هذا النظام إلا بمقدار التزامه بهذا النظام وجديَّة بالأخذ به ، وجميع ما عدى هذا من مسميات للحرية فهو مغالطات وعبث ونوازع ومنطلقات بشرية ظاهرة وباطنة هي من نتاج الجزء الحيواني في الإنسان الذي يقوم على الهوى والشهوة لا العقل والمنطق ، ولو أجلنا النظر في جميع الثورات التي قامت في العالم والتي تطالب بالحرية والأنظمة التي ثارت عليها لوجدنا أنها إنما قامت ترفض تلك الحرية الحيوانية التي تقرر فيها الحرية المطلقة حينما ساد قانون البقاء فوجد الإقطاعي أن من بدهيات حريته اغتصاب حرية الآخر وتعبيده بصورة أو بأخرى ، فهي إذا وعند التحقيق ثورة على الحرية بل وربما تقول في بعض منعطفاتها " لا للحرية " ، ولو جعلنا الثورة الفرنسية مثالا لهذا ثم نظرنا إلى فرنسا ما قبل الثورة وتحديدا في عهد لويس الرابع عشر لوجدنا أن المظهر الخارجي لفرنسا القوة المتمثلة بالصناعة والثورة الفنية الإبداعية في جميع مجالات الفنون في حين أن بقية دول أوربا كانت تقبع في ظلمات من الاستبداد الشبه فرعوني إذ أن الحال كان منقسماً بين السلطة الإقطاعية المستبدة بالتجارة والأعمال ومن سواهم إنما هم عبيد لا يرقون لمجرد التطلع إلى تلك الطبقة ورفاهية العيش التي كانت ترفل فيه ، والسلطة الكهنوتية التي استبدت بالرأي والصحة المطلقة والقداسة في أرهب صورها لكل ما تريد الكنيسة وهاتين السلطتين يلتقيان فيما بعد وخلف الكواليس لاقتسام الناتج من الربح المالي والإجتماعي الآتي عبر نفوذ السلطتين
أما في فرنسا فقد كان الحال وكما قلنا في عهد لويس الرابع عشر مخالفا نسبيا لما كان عليه الجيران فالنهضة الصناعية والثقافية كانت على أشدها حينئذ وكان ثمة حيز من الحرية لا بأس به يتمثل بانتشار الكُتَّاب والمنظِّرين والفنَّانين والنقَّاد والحراك الثقافي الحواري الفكري والتشكيلي العلني في المقاهي والصالونات ، إلا أنه ورغم اختلاف نطاق الحرية بين الجيران يبقى أن الحرية المعنية هناك هي تلك الحرية التي تنطلق من منظور بشري أيضاً لا يمكن بحال من الأحوال اعتقاد الحيادية فيه وفي قراراته ورؤاه منطلقاتها وأهدافها ، وليس أدل على هذا من وجود الطبقات الثلاث والتي تحاط بهالة من القدسية والخطوط الحمراء التي لا يمكن أن يتجاوزها مريد الحرية من دافعي الضرائب التي أعفي منها أفراد تلك الطبقة ، فالرؤيتين كلاهما تبرر أعمالها بحجة الحرية لكنها في بريطانيا ومن لف لفيفها تقوم على الحرية المستبدة أو بمعنى أصح الغابوية أما في فرنسا فهي كذلك تدعي الحرية لكنها تجمع بين المنظور الشخصي الغابوي الأناني وبين إرادة قيام الهيكل الكبير الذي لابد فيه من منح الآخر متسعا يفكر فيه وينتج ، وربما كان على كواهله – أعنى الآخر – الجانب الفعلي من إقامة الهيكل والمجتمع الكبير في حين تتفرغ السلطة لملذاتها ومباهجها ، والحقيقة أن هذه النوعية من القيادات المستبدة أذكي من صويحباتها حين تلقى بعض العظام للكلاب الضالة تنشغل بها عما في المائدة وتأمن مافيها من خطورة وربما استحالت في وقت لاحق إلى حماية فعلية لمن ينفردون بالمائدة .
إلا أن الحريتين هنا لا تقوم على أساس محايد فهي وان اتسعت في فرنسا وازدهرت فيها الأضواء الفكرية في العلوم والفنون والصناعات تبقى حرية هشة قد ينقضها من أساسها تعارض مصلحة الهيكل مع المصلحة الشخصية لمانح الحرية ، ومن هنا جاء فولتير وهو معلم الليبرالية والمنظر لها ليخرج بمفهوم آخر للحرية ينفر فيه من مظنة عدم المحايدة التي جلبت على فرنسا ربقة الطبقات الثلاث فجعل العقل والمنطق هما الحاكم الفعلي ومحل فض النزاع بين المتخاصمين حيث يقول : ( يجب أن نحترم أولئك الذين يحكمون عقولنا بقوة الحقيقة، وليس الذين يستعبدون الناس بالعنف، وأولئك الذين يفهمون الكون، وليس الذين يحرّفونه) وعلى هذا ظهر للحرية منظور آخر وزاوية أخرى ينظر من خلالها لمعنى الحرية الذي هو بطريقة أو بأخرى توافق العقل الجمعي في زمن من الأزمان على مسلك بعينه ، وهو منظور جميل وهو أقوى من سابقه ولا شك .. ولكن هل هو المناسب إذا ماكان الهدف عمارة حضارة بأكملها يتخللها أجيال وأجيال من أجناس وأعراق ومعتقدات شتى ؟ .. سننظر ونرى ..
بعد فولتير وتنظيره وقيام الثورة واحتزاز رأس لويس السادس عشر وتحالف أوربا المظلمة ضد فرنسا التنويرية الوليدة وتململ بعض أفراد الرعية وَجَدَ من قام بالنهضة والليبرالية الجديدة أنفسهم في صدام مع مبادئهم التي لم يجف حبر توقيعها بعد وكان من نصوصها ( تنص الحرية على حرية القيام بأي شيء لا يؤذي أحداً غير من يقوم به) ولما كان هدفهم الحفاظ على ما يزعمون أنه مكتسبات قومية تقدمية وجدوا أنفسهم في عنق زجاجة ضيق ليس فيه للحرية التي ثاروا من أجلها محل فهي إما الحضارة وفق منظوري وقناعاتي أنا للحرية أو التخلف والرجعية والتي أظنها أنا في ما يريده الآخر من الحرية ، فكانت النتيجة أنهم صاروا يأخذون الناس  بمخالفتهم لأنا السلطة حيئنذ ولمجرد الإشتباه وشكوك السلطة الأنانية اعتمدوا مبدأ " من ليس معي فهو ضدي " وبالتالي لا مانع من أن يصل عدد من " ضدي " تحت المقصلة في نصف ساعة فقط ما يتجاوز الثلاثين ممن لا يرون برأيي وفيهم أيضا من يمارس الذي ظن أنه حق مشروع له كونه أحد أفراد العقل الجمعي ، وهكذا وبعد حروب طاحنة يجدون أن ما كانوا يلهثون خلفه إنما هو كذبة وزيف استغلتها إحدى الطبقات الثلاث التي حجبت عنها امتيازاتها المقدسة فاقنعت الشعوب ليكونوا كبش فداء لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، ولتدارك الأخطاء وجب أن يدخلوا في دوامة حرب أهلية أخرى تأكل الرطب واليابس لا يجدون الخلاص منها إلا على يد ذلك الفارس الشاب نابليون والذي اكتشفوا زيفه فيما بعد واستبداده وكذبه فيما حكى عنه من حرية ومساواة لاسيما من احتكار السلطة في ايطاليا والراين وسويسراء واخوته في البرتقال وهولندا واسبانيا ونابولي واقليم ڤستفالن وهكذا حدِّث عن شارلي ديقول ولا حرج في اغتصابه للآخر الجزائري والآخر الشرق متوسطي والآخر الجنوب أفريقي وفق عملية هي أشبه ما تكون بمص الدماء وتجفيف العروق وحرق الأرض بامتصاص خيراتها التي هي في الأساس ملك الآخر الذي كان بالأمس القريب يصفق للأنوار الباريسية ويحلم بها وربما أحاطها بهالة من القداسة ونظم فيها الأقاويل ثم تغنى بها ، وهكذا يكون الحبل على الجرار فيمن تبعه إلى يومنا هذا ، فكلها حريات ليس لها من الحرية إلا اسمها تنطلق من منظور بشري إقصائي قاصر غلفوه بشرعية التحاكم العقلي في التنظير لكنه أبداً لن يكون كذلك على أرض الواقع حينما يصدم بحرية الآخر .
وإذا سنجد أنه من السهل جدا أن ننظر على الورق قوانين لا محل لقيامها إلا ما كان منها في الأحلام الوردية ، وحالما تحاول التهادي على أرض الواقع ، ستتعثر بكون متلاطم الأرجاء يعج بمختلف التوجهات والمشارب التي لا يمكن للعقل بحال من الأحوال مجابهتها ، الأمر الذي سيضطر القائمين عليها ومدعيها للكشف عن إنسانيتهم البسيطة المتهالكة والإذعان لقانون أكبر من عقولهم وهو قانون البقاء ، وهنا لا محل إلا لقانوني أنا وحريتي أنا ورؤيتي أنا .
وهكذا نجد أنَّا سنستمر في اللهاث خلف سراب كاذب تماما كفأر على عجلة مختبر إلا أن العجلة هنا يغذيها دماء تراق وأشلاء تمزق وأيتام وثكلى وذكريات هي في غاية البؤس ودوامة من العنف لا نهاية لها يأكل فيها القوي الضعيف .
المخجل أنك لا تزال تجد بعض القشوريين هنا وهناك مازالوا يتمسكون بجدوى إقامة العقل الجمعي ليس للقياس والنظر والتأمل والاستنباط وفق نظام ثبتت حياديته قيدت به وأُطرت عليه ، وإنما كحاكم أصيل يرجع إليه حال نشوب الخصومات وهؤلاء وإن كان يشفع لهم كون الناس فيما يعشقون مذاهب شتى ، إلا أنه يقابلهم منطق آخر هو شريك لهم ، وله مذهبه أيضاً الذي يعشقه ويبرره وفق ماتراه " أناه " ، وهذا المنطق يقول أن حياتي ليست محلا لتجاربكم التي أثبتت فشلها وكان وقودها بشر مثلي ومثلكم إلتهمتهم طاحونة العنف الذي أشعلتموه جريا لإثبات ما لن يثبت .
فهذه حاملة اللواء الليبرالي وهي محط الأصبع في هذا المجال نجدها توزع هبات الحرية الوردية وترسي قواعد ينعم فيها البشر " الآخر " بمساواة تجعل الناس أمام قانون مدفعها كأسنان المشط لا فرق لأفغاني على عراقي إلا بمقدار ما يحصل " الأنا " الأمريكي وربما استحال هذا المُمَيَّز في المنظور الليبرالي إلى رقم زائد يتم التخلص منه بعبوة ناسفة زرعها إرهابيون مجهولون أو سقط بالخطأ من نيران صديقة
وربما يتعلل هؤلاء المفتونون بكونهم نجحوا في تحقيق الحرية والرفاهية للفرد داخل مجتمعاتهم وأقاموا هياكل مجتمعية تصلح للإستمرار لعقود قادمة ، كل هذا مما لا ينازعهم فيه أحد وقد فعل شارل قبلهم في فرنسا مالم يفعلوه هم لمواطنيهم وبلدانهم ، وإنما السؤال كيف قامت هذه الهياكل ؟ وعلى أنقاض وحساب من حتى زهت وعظمت وكبرت في صدوركم ؟
لسنا نحاسبهم على ما نركن إليه ونعتقده ، وإنما هم الذين يدعون أن الناس إنما تلدهم أمهاتهم أحرارا ، وأن أي أحد له أن يقوم بأي شيء شريطة ألا يؤذي غيره ، في حين أننا لا نرى أن من يستحق هذه الحريَّة ولا أن يتعلم ولا أن يروج بضاعته في الأسواق ولا أن يحلم بنهضة إقتصادية أو صناعية بعيداً عن المتنفعين من عرق بعينه وربما كان معتقدا بعينه لو دققنا في التفاصيل .


فهل أنظمة بهذا القدر من الزيف الظاهر الفحش تصلح أن تكون مثالا يحتذيه الآخر ؟ أو حتى محلاً للإستشهاد به ؟
إذ أن الحال ومن خلال منطوقهم إما أنهم يقولون مالا يفعلون وأن الحرية التي يتحدثون عنها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت فيه
أو أن الناس المعنيون في خطبهم وقوانينهم وحرياتهم هم فقط ذلك العرق أو تلك الفئة والطائفة التي تعتقد ذلك المعتقد وبكل الأحوال لا أظن أن نظاما كهذا يستحق مجرد الإحترام حتى من معتنقيه إذا ما نظروا لأنفسهم بعين الإنسان المتحرر من ربقة شهواته الحيوانية والذي يحترم كونه إنسان يجب أن يرتبط فعله بقوله
وهكذا نخلص إلى أرضية يجب التسليم بها ، وهي أن العقل الجمعي يصلح للنظر في الاشياء واستخلاص العبر منها والإستئناس به وربما اللجؤ له في حال دقيقة جدا لا تشكل المعلم الأبرز في عموم المطلب مع عدم اعتقاد صوابيته ، إلا أنه لا يمكن يقينا بحال من الأحوال أن يكون حاكماً أصيلا ، وهو وأن كان مظنة الحيادية فقد أثبت فشله الذريع وسقوطه المدوي عند التجربة على أرض الواقع ، والتي كشفت مدى هشاشته وضعف مقاومته لسنن الإختلاف الكونية على المستوى الانساني وإيجاد الحلول المناسبة للتعامل مع هذه الأحوال وضمان التعايش البشري تحت مضلة الكرامة الانسانية بمفهومها الشامل لا النظرة المحدودة الضيقة لعرق أو لجنس وهذا مالم ولن يتحقق في مطلب الحرية إذا كان الحاكم فيها ومانحها لا ينظر على مسافة بعدية واحدة من عموم الجنس البشري محققا بهذا مفهوم الحيادية بأعمق صوره


واذا وعلى هذا : هل الحياديَّة مطلب ؟
هذا ماسننظر فيه فيما بعد .


عمر... 24/1/1431هـ